الشيخ محمد النهاوندي
590
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
الْمُقَنْطَرَةِ مأخوذة من القنطار ، قيل : جيء بها للتّأكيد . وقيل : معناه : الكثيرة ، المنضّدة بعضها على بعض . وقيل : المضروبة المنقوشة ، حال كونها مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ . وعلّة حبّهما كونهما ثمن سائر الأشياء ، فمالكهما كمالك جميع الأشياء ، ولذا قدّمهما سبحانه بالذّكر على قوله : وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ والأفراس المرسلة من كثرتها ، للرّعي وَالْأَنْعامِ الثّلاثة من الإبل والبقر والغنم ، بأصنافها وَالْحَرْثِ من الغرس والزّرع . وحبّ هذه الأشياء وإن كان ممّا يقوم به نظام العالم ويتمّ عيش بني آدم ، إلّا أنّها لمّا كانت في الأغلب ملهية عن ذكر اللّه وشاغله عن طاعته ، ذمّها سبحانه بقوله : ذلِكَ المذكور من المشتهيّات مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا الدّنيّة الفانية ، وملذّاتها اليسيرة الزائلة . فلا ينبغي للعاقل المؤمن أن يتوجّه إليها ، ويتعلّق قلبه بها ، ويصرف همّه فيها ، بل عليه أن يتوجّه بكلّه إلى اللّه والدّار الآخرة ، ويجعل حبّ هذه الأمور تابعا لحبّ اللّه ، وتحصيلها وصلة إلى طاعة اللّه ومرضاته ؛ لوضوح أنّ جميع هذه النّعم مقدّمات للأعمال الصّالحة ، ووسائل لتحصيل الدّرجات الاخرويّة . في أنّ المؤمن يحبّ الدنيا لتحصيل الآخرة بها فالمؤمن اللّبيب يحبّ المال ويكتسبه للإنفاق في سبيل اللّه ، والإرفاق بعباده ؛ ويحرث لأن يوفّق لأداء الزكاة ، ويتّجر للتّوسعة على العيال والصّدقة على الفقراء ، ويتزوّج لتحصين الفرج من الحرام وحفظ الإيمان وتكثير النّسل وتثقيل الأرض بالولد الموحّد الصّالح ، ويأكل ويشرب للتّقوّي على الطّاعة ، والقيام بوظائف العبوديّة . والحاصل : أنّ المؤمن يحبّ الدّنيا وما فيها لغرض تحصيل الآخرة ، ولذا فسّر قوله تعالى : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً « 1 » بالمرأة الصّالحة وسعة الرّزق . فاتّضح أنّ حبّ الدّنيا لحبّ اللّه وطلب مرضاته ، ليس الحبّ المذموم ، بل هو ممدوح غايته ، لكونه عين حبّ اللّه وحبّ طاعته ومرضاته ، فإنّ من يتحمّل شرب الدّواء المرّ للبرء من المرض وطلب السّلامة منه ، لا يعدّ محبّا للدّواء ، بل هو محبّ للبرء من المرض ، وطالب له . والحاصل : أنّ المؤمن الكامل لا ينال من الدّنيا إلّا لنيل الآخرة ، والقرب من اللّه ، ومع قطع النّظر عن ذلك يكون مبغضا لها ومعرضا عنها ، وتكون عنده أهون من عراق « 2 » خنزير في يد مجذوم ، وأضرّ من
--> ( 1 ) . البقرة : 2 / 201 . ( 2 ) . العراق : العظم اكل لحمه .