الشيخ محمد النهاوندي
59
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
السّرّاق والمحاربين ، الذي هو من تمام حفظ الدّماء والأموال ، وإحلال الطيّبات الذي هو من تمام عبادة اللّه ، ولهذا ذكر فيها ما يختصّ بشريعة محمّد صلّى اللّه عليه وآله كالوضوء ، والتيمّم ، والحكم بالقرآن على كلّ ذي دين . ولهذا أكثر فيها من ذكر الإكمال والإتمام ، وذكر فيها أنّ من ارتدّ عوّض اللّه بخير منه ، ولا يزال هذا الدين كاملا ، ولهذا ورد أنّها آخر سورة نزلت ، وفيها من إشارات الختم والتمام ، وهذا الترتيب بين هذه السور الأربع المدنيّات [ من ] أحسن الترتيب « 1 » . وقال بعض آخر : إذا اعتبرت افتتاح كلّ سورة وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها ، ثمّ هو يخفى تارة ويظهر أخرى ، كافتتاح سورة الأنعام بالحمد ، فإنّه مناسب لختام المائدة من فصل القضاء ، كما قال تعالى : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ « 2 » . وكافتتاح سورة فاطر بالحمد ، فإنّه مناسب لختام ما قبلها من قوله : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ « 3 » كما قال تعالى : فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ « 4 » . أقول : الغرض من نقل هذه العبائر والوجوه هو التأييد ، وإن قلنا إنّ المدّعى لوضوحه غنيّ عنه . الطّرفة التّاسعة في أسامي الكتاب العزيز ووحيه ومناسبة تسميته بالقرآن قال بعض « 5 » : إنّ اللّه تعالى سمّى كتابه العزيز بخمسة وخمسين اسما « 6 » . كالفرقان ، والذكر ، وأحسن الحديث ، وغيرها . والظاهر أنّ جميعها ألقاب وأوصاف له ، إلّا القرآن فإنّ الأقوى والأظهر أن يكون علما له بوضع اللّه تعالى .
--> ( 1 ) . الإتقان في علوم القرآن 3 : 381 . ( 2 ) . الزمر : 39 / 75 . ( 3 ) . سبأ : 34 / 54 . ( 4 ) . الإتقان في علوم القرآن 3 : 380 ، والآية من سورة الأنعام : 6 / 45 . ( 5 ) . القائل : هو القاضي أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك المعروف بشيذلة ، صاحب كتاب ( البرهان في مشكلات القرآن ) والمتوفّى سنة 494 . راجع : شذرات الذهب 3 : 401 ، كشف الظنون 1 : 241 . ( 6 ) . البرهان في علوم القرآن 1 : 343 ، الإتقان في علوم القرآن 1 : 178 .