الشيخ محمد النهاوندي
574
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وجميع هذه العلائم المذكورة في الكتب منطبقة على محمّد صلّى اللّه عليه وآله وكتابه ، فلو لم يكن صادقا في دعوى رسالته وكتابه منزلا من اللّه ، لكان إخبار الكتب السّماويّة كذبا ، فجميع الكتب المنزلة شواهد صدق القرآن ، وأدلّة كونه منزلا من اللّه ، فكلّ من آمن بها يلزمه الإيمان به . ثمّ استدلّ سبحانه بنعمه السّابقة على الأمم السّالفة بقوله : وَأَنْزَلَ سبحانه دفعة التَّوْراةَ على موسى بن عمران وَالْإِنْجِيلَ على عيسى بن مريم مِنْ قَبْلُ وفي الأزمنة السّابقة على نزول القرآن ؛ لأجل أن يكون كلّ واحد منهما هُدىً ودليلا مرشدا لِلنَّاسِ المكلّفين باتّباعهما إلى الحقّ والرّشاد . ولا يذهب عليك أنّه ظهر من تفسيرنا الفرق بين التّنزيل والإنزال ، وأنّ التّنزيل متضمّن للكثرة والتّدرّج في النّزول دون الإنزال . ولمّا كان القرآن جامعا بين الجهتين ، باعتبار نزوله دفعة إلى البيت المعمور ، وتدريجا إلى الأرض ، اسند إليه التّنزيل في أوّل الآية . ثمّ للدلالة على كونه أعظم شأنا ، وأتمّ نعمة من غيره ، أعاد ذكره بقوله : وَأَنْزَلَ الكتاب الذي جعله الْفُرْقانَ بين الحقّ والباطل ، والمائز بين الضّلال والرّشاد ، والمبيّن لمشتبهات سائر الكتب السّماويّة ، والمهيمن عليها . عن الصّادق عليه السّلام : « القرآن جملة الكتاب ، والفرقان المحكم الواجب العمل به » « 1 » . وفي رواية : « الفرقان كلّ آية محكمة » « 2 » . وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله « سمّي القرآن فرقانا ؛ لأنّه متفرّق الآيات ، والسّور أنزلت في غير الألواح وغير الصّحف « 3 » ، والتّوراة [ والإنجيل ] والزّبور أنزلت كلّها جملة في الألواح والأوراق » « 4 » . أقول : لا منافاة بين هذه الأخبار ، لإمكان إطلاق هذا الوصف عليه بكلا الاعتبارين ، فتحصّل من الآيات أنّ من كان كمال قدرته ، وسعة لطفه ورحمته ، ووفور نعمته بهذه المرتبة ، كان هو المعبود بالاستحقاق دون عيسى وغيره من الخلق . ثمّ بعد وضوح الحقّ وإبطال الشّرك بالبراهين القاطعة ، أخذ سبحانه في التّهديد على الكفر
--> ( 1 ) . الكافي 2 : 461 / 11 ، تفسير الصافي 1 : 292 . ( 2 ) . جوامع الجامع : 53 ، تفسير الصافي 1 : 292 . ( 3 ) . في علل الشرائع : وغيره من الصحف . ( 4 ) . علل الشرائع : 470 / 33 ، تفسير الصافي 1 : 292 ، وفيهما : الألواح والورق .