الشيخ محمد النهاوندي

568

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وفيه : أنّه لا موقع لاستدعاء عدم تحميل التّكليف بغير المقدور ، بعد سؤال عدم تحميل الإصر الذي هو التّكاليف الشّاقة ، وإجابته منه تعالى . إن قيل : إنّ المراد بالإصر البلايا والعقوبات . قلنا : مضافا إلى أنّه خلاف المشهور بين المفسّرين ، وكثير من الروايات ، لا يمكن حمل ما لا يطاق على غير المقدور ؛ لحكم العقل بقبح التّكليف به ، فلا بدّ من حمله على غير المقدور العرفي ، وهو ما يكون فيه حرج ومشقّة . وفي الرّواية المعراجيّة : « قال : فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : إذا أعطيتني ذلك فزدني ، قال : سل : قال : وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ قال تبارك اسمه : قد فعلت ذلك بك وبأمّتك ، وقد رفعت عنهم عظيم بلايا الأمم ؛ وذلك حكمي في جميع الأمم أن لا اكلّف خلقا فوق طاقتهم » « 1 » . ثمّ أنّه تعالى بعد حكاية سؤال المؤمنين أهمّ حوائجهم في الدّنيا ، حكى عنهم سؤال أهمّ حوائجهم في الآخرة بقوله : وَاعْفُ عَنَّا ذنوبنا وَاغْفِرْ لَنا سيّئاتنا وَارْحَمْنا . والفرق بين العفو والمغفرة والرّحمة ، أنّ العفو : هو التّجاوز عن عقوبة الذّنب . والمغفرة : هي ستر الذّنب أو مطلق السّتر ، ذنبا كان المستور أو نقصا وعيبا ، بحيث لا يطّلع عليه أحد . والرّحمة : هي التعطّف بإعطاء الثّواب ، أو بالأعمّ منه ومن دفع البلاء والمحن والكروب وأهوال القيامة . ثمّ حكى ختمهم الدّعاء بأهمّ الحوائج بقوله : أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ وفيه دلالة على أنّ إعلاء كلمة الحقّ والجهاد في سبيل اللّه ، والغلبة على الكفّار ، والنّصرة على أعداء الدّين بالسّيف والحجّة ، غاية آمال المؤمنين . ولمّا كان في الأدعية الثّلاثة الأول مقام إظهار غاية الضّراعة ، كان الأنسب توصيفه تعالى بصفة الرّبوبيّة ؛ لإشعارها بكمال ذلّة الدّاعي ، وتأثيرها في سرعة إجابة الدّعاء . وأمّا في السؤال الرابع ؛ وهو طلب النّصرة على الكفّار ، فلمّا كان مقام الاستعانة والانتصار ، كان المناسب توصيفه تعالى بالمولويّة ، حيث إنّ المولى إن كان بمعنى النّاصر والمعين ، أو بمعنى المالك والسيّد ، فالمناسبة ظاهرة ، حيث إنّ من وظيفة السّيد والمالك أن يكون ناصرا لعبده وحافظا له ، وإن كان بمعنى متولّي الأمور فيدخل فيه النّصرة على الأعداء .

--> ( 1 ) . الاحتجاج : 222 ، تفسير الصافي 1 : 291 .