الشيخ محمد النهاوندي

56

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وما روته عائشة من أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله كان يقرأ في الليل سورة البقرة ، وآل عمران ، والنساء « 1 » . وقال السيد المرتضى رضوان اللّه عليه : إنّ القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان ، أي عصر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله - إلى أن قال : - وإنّ جماعة من الصحابة مثل عبد اللّه بن مسعود وأبيّ بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عدّة ختمات ، وكلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعا مرتّبا غير مبتور ولا مبثوث « 2 » . أقول : كلّ ذلك يورث القطع بأنّ ترتيب الآيات والسور لم يكن بأهواء الصّحابة وسلائقهم ، بل كان بوحي اللّه وأمر رسوله صلّى اللّه عليه وآله . الطرفة الثامنة في أنّ ترتيب القرآن ليس بترتيب النزول بل لمناسبات لطيفة لا شبهة في أنّ الترتيب المقرّر عند اللّه ، المنزل على النبيّ بين الآيات والسور لمناسبات لطيفة ، وروابط منيفة ، ونكت بديعة ، وحكم بليغة لا يعلم جميعها إلّا اللّه والراسخون في العلم ، ولا يدركها إلّا من نوّر اللّه قلبه ، وخصّ بالانقياد ربّه ، ووهب له فهم القرآن ، وباشر روحه روح الايمان . قال بعض العلماء : أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط « 3 » . وقال آخر : من تأمّل في لطائف نظم السور « 4 » وفي بدائع ترتيبها علم أنّ القرآن كما أنّه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه ، فهو أيضا معجز بسبب ترتيبه ونظم آياته « 5 » . وقال آخر : ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتّى تكون كالكلمة الواحدة متّسقة المعاني ، منتظمة المباني ، علم عظيم « 6 » . هذا ، ولعمري أنّ ما ذكرته بالنظر إلى حكمة اللّه البالغة ، وعدم إمكان وضعه الشيء في غير موضعه ، وترجيحه أمرا بلا مرجّح ، من أوضح الواضحات وأبين البيّنات ، غنيّ عن الاستدلال والتأييد بأقوال

--> ( 1 ) . مسند أحمد 6 : 92 . ( 2 ) . مجمع البيان 1 : 84 . ( 3 ) . الإتقان في علوم القرآن 3 : 369 . ( 4 ) . في الإتقان : وقال الإمام الرازي في سورة البقرة : ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة . ( 5 ) . الاتقان في علوم القرآن 3 : 370 . ( 6 ) . الإتقان في علوم القرآن 3 : 369 .