الشيخ محمد النهاوندي

552

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وعليه لا يجوز بيع الدّين بالدّين ؛ لأنّه معاملة بدينين لا بدين ، وهو المعروف بالكالي « 1 » ، ولا خلاف في بطلانه . قيل : ما من لذّة ، ولا منفعة ، يوصل إليها بطريق محرّم ، إلّا جعل اللّه سبحانه للوصول إلى تلك اللّذّة والمنفعة طريقا حلالا ، وسبيلا مشروعا « 2 » . ولمّا حرّم اللّه استفادة الرّبح بطريق الرّبا ، أذن في بيع السّلم والنّسيئة ؛ لوجود جميع المنافع المطلوبة في الرّبا فيهما . ثمّ بيّن سبحانه طريق الاحتياط في الأجل والكيل والوزن في الدّين بقوله : فَاكْتُبُوهُ بجنسه وصفاته ووزنه وأجله ؛ لكون الكتب أوثق وأدفع للنّزاع . ولا شبهة أنّ الأمر هنا ليس للوجوب النّفسي ، بل للإرشاد أو الاستحباب . عن ( العلل ) : عن الباقر عليه السّلام : « أنّ اللّه عزّ وجلّ عرض على آدم أسماء الأنبياء وأعمارهم ، قال : فمرّ بآدم اسم داود النبيّ ، فإذا عمره في العالم أربعون سنة ، فقال آدم : يا ربّ ما أقلّ عمر داود وأكثر عمري ! يا ربّ إن أنا زدت « 3 » داود ثلاثين سنة ثبت ذلك له ؟ قال : نعم يا آدم ، قال : فانّي قد زدته من عمري ثلاثين سنة ، فأنفذ ذلك وأثبتها له عندك ، واطرحها من عمري » . قال أبو جعفر عليه السّلام : « فأثبت اللّه عزّ وجلّ لداود في عمره ثلاثين سنة ، وكانت له عند اللّه « 4 » مثبتة . فذلك قوله عزّ وجلّ : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ « 5 » فمحا اللّه ما كان عنده مثبتا لآدم ، وأثبت لداود ما لم يكن عنده مثبتا . قال : فمضى عمر آدم فهبط ملك الموت لقبض روحه ، فقال له آدم : يا ملك الموت إنّه قد بقي من عمري ثلاثون سنة ، فقال له ملك الموت : يا آدم ألم تجعلها لابنك داود النبيّ ، وطرحتها من عمرك حين عرض عليك أسماء الأنبياء من ذرّيّتك ، وعرضت عليك أعمارهم ، وأنت يومئذ بوادي الأحياء « 6 » ؟ فقال له آدم : ما أذكر هذا . قال : فقال له ملك الموت : يا آدم لا تجحد ، أفلم تسأل اللّه عزّ وجلّ أن يثبتها لداود ويمحوها من عمرك ، فأثبتها لداود في الزّبور ومحاها من عمرك في الذّكر ؟ قال آدم : حتى أعلم ذلك » .

--> ( 1 ) . الكالي : أي المتأخر . ( 2 ) . تفسير الرازي 7 : 108 . ( 3 ) . في النسخة : ازددت . ( 4 ) . في النسخة : عند ذلك . ( 5 ) . الرعد : 13 / 39 . ( 6 ) . في المصدر : بوادي الدخياء .