الشيخ محمد النهاوندي

540

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وَما تُنْفِقُونَ ولا تتصدّقون على المشركين - ولو كانوا من أرحامكم وأقاربكم - لعلّة من العلل ، أو وجه من الوجوه إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وطلبا لمرضاته ، لا لتأييدهم في كفرهم ، ولا للرّكون إليهم في باطلهم ، فإنّ اللّه عالم بما في قلوبكم من الإخلاص ، وقصد صلة الرّحم ، وسدّ خلّة المضطرّ . وأمّا تلبّسهم بالكفر فليس بمانع عن الإنفاق ، إلّا إذا كان من الصّدقات المفرضة كالزّكاة والفطرة ، أو كان في الإنفاق عليهم تقوية الباطل وتضعيف الحقّ ، ففي الصورتين لا يجوز الإنفاق على غير أهل الحقّ . ثمّ بالنّظر إلى العداوة الدّينيّة بين المسلمين والكفّار الرّادعة للمسلمين عن الإنفاق عليهم ، وقوّة توهّم مرجوحيّة الإنفاق عليهم في نظر المسلمين ، أكّد اللّه سبحانه فضله وكثرة ثوابه بقوله : وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ ومال على المسلم أو الكافر يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أجره المضاعف ، ويوفّر لكم ثوابه ، مضافا إلى ما يخلفه كما روي عنه صلّى اللّه عليه وآله : « اللهمّ اجعل للمنفق خلفا ، وللممسك تلفا » « 1 » . وَأَنْتُمْ أيّها المنفقون لوجه اللّه لا تُظْلَمُونَ في حقّكم ، ولا تنقصون من أجركم ، فلا ينبغي التّسامح فيه . قال بعض : لو كان الفقير شرّ خلق اللّه ، لكان لك ثواب نفقتك « 2 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 273 ] لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 273 ) ثمّ أنّه تعالى لمّا بيّن تعميم استحباب الصّدقة للمؤمن والكافر ، بيّن أولويّة المؤمنين الخلّص ؛ بالإنفاق ، وأفضليّة التّصدّق عليهم بقوله : لِلْفُقَراءِ من المؤمنين الخلّص ، اجعلوا صدقاتكم ، وهم الَّذِينَ أُحْصِرُوا وحبسوا عن تحصيل المعاش ، لاستغراق أوقاتهم بالعبادات من الجهاد فِي سَبِيلِ اللَّهِ ونصرة الدّين ، ومنهم العلماء المروّجون للشّرع ، والمشتغلون بتحصيل العلوم الدّينيّة ، فإنّهم لا يَسْتَطِيعُونَ لكثرة اشتغالهم بالعبادات والمهّام الإسلاميّة ضَرْباً وسيرا فِي الْأَرْضِ للتّجارة ، وطلب المعيشة . ذكر أصحاب الصّفة وأوصافهم قيل : نزلت في فقراء المهاجرين ، وكانوا نحوا من أربعمائة ، لم يكن لهم مسكن

--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 1 : 265 . ( 2 ) . الكشاف 1 : 317 ، تفسير الرازي 7 : 78 .