الشيخ محمد النهاوندي
535
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وقيل : إنّ المراد أنّه لو أهدي إليكم الرّديء لا تأخذونه إلّا عن استحياء وإغماض . عن الصادق عليه السّلام قال : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إذا أمر بالنّخل أن يزكّى ، يجيء أقوام بألوان من التّمر هو من أردأ التّمر ، يؤدّونه من زكاتهم ، تمرة يقال لها الجعرور « 1 » والمعافارة ، قليلة اللّحاء ، عظيمة النّواة ، وكان بعضهم يجيء بها عن [ التمر ] الجيّد ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : لا تخرصوا هاتين التّمرتين ، ولا تجيئوا منهما بشيء . وفي ذلك نزل : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ » « 2 » الخبر . وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عن إنفاقكم ، وأمره به ليس لحاجة إليه ، بل إنّما هو لنفعكم وحاجتكم إليه في تكميل نفوسكم حَمِيدٌ قيل : يعني مستحقّ للحمد على نعمه عليكم ، وقيل : إنّ معناه أنّه حامد على إعطاء الجيّد ، ومثيب عليه . وفي الأمر بالعلم إشعار بأنّ إعطاء الرّديء لا يكون إلّا لأجل الجهل بغنائه تعالى ، ولتوهّم حاجته واضطراره إلى هذا الرّديء ، فيقبله البتّة ، وأما إذا علم أنّ ما يعطيه بمنزلة البذر ، ليحصد حاصله في يوم فقره وفاقته ، فلا بدّ من أن يبالغ في جودته . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 268 ] الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 268 ) ثمّ لمّا رغّب سبحانه في الإنفاق بجياد المال ، وكان الشّيطان يمنع عنه بوسوسته ، ويردع عنه بتسويله ، نبّه المؤمنين به ، وبقبح طاعته بقوله : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ويوسوس في قلوبكم أنّ عاقبة إنفاقكم عدم المال ، وصفر اليد ، والابتلاء بشدّة الحاجة وَيَأْمُرُكُمْ بتسويله ويغريكم بِالْفَحْشاءِ والقبائح العقليّة من البخل ومنع الحقوق الواجبة وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ في إنفاقكم مَغْفِرَةً وسترا كائنا مِنْهُ لذنوبكم وَفَضْلًا وزيادة في المال والأجر . عن ابن مسعود : أنّ للشّيطان لمّة « 3 » ؛ وهي الإيعاد بالشّرّ ، وللملك لمّة ؛ وهي الوعد بالخير ، فمن وجد ذلك فليعلم أنّه من اللّه ، ومن وجد الأوّل فليتعوّذ باللّه من الشّيطان الرّجيم . ثمّ قرأ هذه الآية « 4 » . وَاللَّهُ واسِعٌ ومنبسط فضله على المنفقين في وجوه الخير عَلِيمٌ بمقدار إنفاقهم وخلوص
--> ( 1 ) . الجعرور : ضرب من التمر صغار لا ينتفع به . ( 2 ) . الكافي 4 : 48 / 9 ، تفسير الصافي 1 : 275 . ( 3 ) . لمّة الشيطان : هي همّته وخطرته في قلب الإنسان . ( 4 ) . تفسير الرازي 7 : 64 .