الشيخ محمد النهاوندي
533
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
بثمار تلك الجنّة ومنافعها ، بحيث لو لم تكن لوقعوا جميعا في المخمصة والهلاك فَأَصابَها إِعْصارٌ وريح عاصفة شديدة تستدير في الأرض ، ثمّ تنعكس منها ساطعة إلى السّماء كهيئة العمود . قيل : يسمّيها العرب الزّوبعة « 1 » ، والعجم ( گردباد ) . ومن الواضح أنّ هذه الرّيح بنفسها قالعة للأشجار ومعدمة للجنّة ، ومع ذلك كانت فِيهِ نارٌ شديدة محرقة فَاحْتَرَقَتْ بها الجنّة وأشجارها ، وذهبت ثمارها ، وخرّبت ومحت آثارها . فانظر كيف يبقى صاحب هذه الجنّة متحيّرا ، حيث إنّه لا يجد ما يعود على نفسه وعياله ، ولا يقوى أن يغرس مثلها ولا يعينه أحد من ذرّيّته ، إذن لكونهم في غاية العجز والضّعف ، فليس لهم إلّا الهلاك . كذلك من ينفق ماله ، أو يفعل الأعمال الحسنة ، ثمّ يحبط أجرها بالمنّ والأذى والرّياء وغيرها من الآفات ، لا ينتفع بها يوم القيامة مع شدّة الحاجة إليها ، فكما لا يودّ أحد أن يكون له شأن تلك الجنّة ، كذلك لا يودّ أن يحبط أجر أعماله وصدقاته ، لكون حسرته وأسفه أشدّ من صاحب الجنّة . كَذلِكَ التّبيين الواضح لسوء عاقبة المنّ والأذى والرّياء في الصّدقات والعبادات يُبَيِّنُ اللَّهُ ويوضّح لَكُمُ الْآياتِ الدّالّة على ولايته للمؤمنين ، والدّلائل المثبتة للشّرع المتين ، والعبارات المبيّنة لحكم أحكام الدّين لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فيها ، ولكي تتدبروها ، وتعتبروا بها ، وتلتزموا باتّباعها . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 267 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 267 ) ثمّ أنّه تعالى بعد ما بيّن شرائط صحّة الإنفاق ، من حيث نيّة المنفق وأخلاقه وسلوكه مع الفقير ، بيّن شرط صحّته أو كماله ، من حيث نفس المال ، بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا وتصدّقوا في سبيل اللّه مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ بالتّجارة من الأموال ، ومن جياد ما استفدتم من الأرباح . روي أنّها نزلت في قوم لهم مال من ربا الجاهليّة ، وكانوا يتصدّقون منه ، فنهاهم اللّه عن ذلك وأمرهم بالصّدقة بالحلال « 2 » . وعن الصادق عليه السّلام : « كان القوم قد كسبوا مكاسب [ سوء ] في الجاهليّة ، فلمّا أسلموا أرادوا أن
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 7 : 60 . ( 2 ) . مجمع البيان 2 : 655 .