الشيخ محمد النهاوندي
53
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
نزل بلغتهم « 1 » . وقال الحارث المحاسبي : المشهور أنّ جامع القرآن عثمان ، وليس كذلك ، إنّما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لمّا خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشّام في حروف القراءات « 2 » . أقول : الظاهر من بعض الروايات ، وجمع من العلماء ، أنّ الجمع الذي وقع في زمان النبي صلّى اللّه عليه وآله كان مشتملا على العلوم المرتبطة بالقرآن ، من بيان شأن نزول الآيات ، ومن التفسيرات والتأويلات المأخوذ من النبي صلّى اللّه عليه وآله ووجوه القراءات ، كما نقل عن ابن سيرين أنّه قال : بلغني أنّه كتبه عليّ عليه السّلام على تنزيله ، ولو أجيب إلى ذلك الكتاب لوجد فيه علم كثير « 3 » . وقال : إنّه كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ « 4 » . وقال بعض العامّة : قد كان بعض الصحابة يدخلون في قراءتهم شيئا من التفسير إيضاحا ، لأنّهم محقّقون فيما تلقّوه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قرآنا ، فهم آمنون من أن يلبس بعض ذلك ببعض ، وربّما كان يكتبه بعضهم « 5 » ، كقراءة ابن عباس : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ « 6 » ثمّ يزيد « 7 » ( في مواسم الحجّ ) « 8 » . أقول : ولعلّ قراءة بعض الآيات المنسوبة إلى عبد اللّه بن مسعود من هذا القبيل ، كقراءته قوله تعالى : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فاختلفوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ « 9 » . ثم إنّه لمّا كان في هذا الجمع فضائح القوم ؛ أسقط أبو بكر شأن نزول الآيات وتفسيرها وتأويلها ، وجمعه ثانيا مع إثبات وجوه القراءات ، ثمّ في زمان عثمان لمّا كثر الاختلاف جمعه ثالثا على قراءة زيد بن ثابت ، وحمل الناس على قراءته ، وأسقط سائر القراءات وأحرق مصاحف الكمّلين من قرّاء الصحابة كعبد اللّه ابن مسعود وأبيّ بن كعب وغيرهما . ونقل عن ابن مسعود ما يقرب من هذا المضمون : لو كان لي مثل ما لهم لفعلت بصحفهم مثل ما
--> ( 1 ) . الإتقان في علوم القرآن 1 : 210 . ( 2 ) . الإتقان في علوم القرآن 1 : 211 . ( 3 ) . الاستيعاب - المطبوع بهامش الإصابة 2 : 253 . ( 4 ) . الإتقان في علوم القرآن 1 : 204 . ( 5 ) . النشر في القراءات العشر 1 : 32 . ( 6 ) . البقرة : 2 / 198 . ( 7 ) . أي بعد الآية للتفسير والايضاح . ( 8 ) . صحيح البخاري 6 : 59 / 44 . ( 9 ) . البقرة : 2 / 213 .