الشيخ محمد النهاوندي
523
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
للمؤمنين ، وكأنّه تعالى قال : وَ ألم تر ، أو وَ اذكر إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ استدعاء واستعطافا : رَبِّ أَرِنِي بلطفك على أنّك كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى وبصّرني كيفيّة الإحياء وهيئته بعد العلم بأصله إجمالا . قيل : إنّه تعالى ذكر اسم إبراهيم هنا لإظهاره العبوديّة ، وحفظه للأدب ، حيث أثنى على اللّه أوّلا بتوصيفه بالرّبوبيّة ، بخلاف النبيّ الذي مرّ على القرية ، ولذلك جعل اللّه الإماتة والإحياء في قصّة إبراهيم عليه السّلام في الطّيور ، وفي قصّة النبيّ في نفسه . ويمكن أن يكون وجه ذكر اسمه عليه السّلام عظمة شأنه وكرامته عند اللّه ، زيادة على عزير وعلى من هو أعظم منه . وفي قول إبراهيم : ( ربّي ) إشعار بأنّ من كمال الدّعاء وموجبات سرعة الإجابة ، الثّناء على اللّه قبل الدّعاء . وعن جمع من المفسّرين أنّ إبراهيم رأى جيفة مطروحة في شطّ البحر ، فإذا مدّ البحر أكل [ منها ] دوابّ البحر ، وإذا جزر جاءت السّباع فأكلت ، وإذا ذهبت السّباع جاءت الطّيور فأكلت وطارت . فقال إبراهيم : ربّ أرني كيف تجمع أجزاء الحيوان من بطون السّباع والطّيور ودوابّ البحر « 1 » . قالَ اللّه وحيا : ألم تعلم أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ بأنّي قادر على الإحياء كيف أشاء ؟ ! قالَ إبراهيم : بَلى آمنت وأيقنت وَلكِنْ سألت هذا لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي وينضمّ علمي بالبرهان ؛ بالشّهود والعيان . قيل : إنّ سؤال اللّه تعالى مع علمه بقوّة يقين إبراهيم ؛ ليعلم النّاس أنّه عليه السّلام لم يكن على شكّ ، وللإشعار بأنّ على المؤمن أن يكون في طلب زيادة اليقين والارتقاء إلى درجة الشّهود . عن العيّاشي : سئل الرضا عليه السّلام أكان في قلب إبراهيم شكّ ؟ قال : « لا ، كان على يقين ، « 2 » ولكنّه أراد من اللّه الزيادة في يقينه » . « 3 » وقيل : إنّه عليه السّلام بعد مناظرته مع نمرود لمّا قال : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ « 4 » فأطلق محبوسا « 5 » وقتل رجلا ، قال [ إبراهيم ] : ليس هذا بإحياء وإماتة ، وعند ذلك قال : رَبِّ أَرِنِي
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 7 : 38 . ( 2 ) . ( كان على يقين ) ليس في المصدر . ( 3 ) . تفسير العيّاشي 1 : 266 / 576 ، تفسير الصافي 1 : 270 . ( 4 ) . البقرة : 2 / 258 . ( 5 ) . أي نمرود .