الشيخ محمد النهاوندي

520

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وفي رواية : أعمى اللّه تعالى عنه عيون المخلوقات فلم يره أحد ، فلمّا مضى من موته سبعون سنة وجّه اللّه عزّ وعلا ملكا عظيما من ملوك فارس ، يقال له : يوشك إلى بيت المقدس ليعمّره ، ومعه ألف قهرمان « 1 » ، ومع كلّ قهرمان ثلاثمائة ألف عامل ، فجعلوا يعمّرونه ، وأهلك اللّه بخت نصّر ببعوضة دخلت في دماغه ، ونجّى اللّه من بقي من بني إسرائيل ، وردّهم إلى بيت المقدس ، فتراجع من تفرّق منهم ، فعمّروه ثلاثين [ سنة ] ، فلمّا تمّت المائة من موت عزير أحياه اللّه « 2 » ، وذلك قوله : ثُمَّ بَعَثَهُ والتّعبير عن الإحياء بالبعث للدّلالة على السّرعة ، وسهولته على اللّه ، مع كونه بعد الموت في مدّة طويلة . وفي رواية القمّي : عن الصادق عليه السّلام أنّه لمّا سلّط اللّه بخت نصّر على بني إسرائيل هرب أرميا ، ودخل في عين وغاب فيها ، وبقي ميّتا مائة سنة ، ثمّ أحياه [ اللّه تعالى ] وأوّل ما أحيا منه عينيه في مثل غرقيء « 3 » البيض ، فنظر « 4 » ثمّ قالَ اللّه وحيا كَمْ لَبِثْتَ وبقيت ميّتا . وفي رواية ابن عبّاس رحمه اللّه : ونودي من السّماء : يا عزير كم لبثت بعد الموت ؟ « 5 » قيل : كان السّؤال لأجل أن يظهر له عجزه عن الإحاطة بشؤون الرّبوبيّة ، وليعلم بالبرهان أنّ إحياءه كان بعد مدّة طويلة حتى تنحسم مادّة استبعاده بالمرّة « 6 » . قالَ عزير أو أرميا - على وجه الحسبان والتّخمين - : لَبِثْتُ يَوْماً ثمّ نظر إلى ضوء الشّمس باقيا في رؤوس الجدران كما روي ، فقال : أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ وقيل : إنّه قال : يوما أو بعض يوم ، اقتصارا لمدّة لبثه « 7 » . ثمّ قالَ اللّه ما لبثت المدّة اليسيرة بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ قيل : فائدة إماتته مائة عام وإعلامه بها - مع كفاية الإحياء بعد موت ساعة لثبوت المطلوب ، وهو القدرة على الإحياء بعد الموت - أنّ الإحياء بعد مثل هذه المدّة الطويلة أدلّ على القدرة ؛ لأنّ إحياء العظام الرّميم أبعد في العقول ، كما هو واضح . ثمّ كأنّه قال اللّه : إن شئت أن يزيد عرفانك بكمال قدرتي فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ من التّين والعنب اللذين يفسدان من غاية اللّطافة في اليوم واللّيلة وَشَرابِكَ من العصير أو اللّبن ، مع أنّهما يتغيّران

--> ( 1 ) . القهرمان : أمين الملك ووكيله الخاص . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 1 : 253 . ( 3 ) . الغرقيء : القشرة الرقيقة الملتزقة ببياض البيض . ( 4 ) . تفسير القمي 1 : 90 ، تفسير الصافي 1 : 267 . ( 5 ) . تفسير الرازي 7 : 31 . ( 6 ) . تفسير روح البيان 1 : 413 . ( 7 ) . تفسير روح البيان 1 : 413 .