الشيخ محمد النهاوندي
512
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 256 ] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 256 ) ثمّ أنّه بعد ما بيّن اللّه تعالى أصول المعارف الحقّة - من تفرّده بذاته وتعاليه بالشؤون الجليلة الجميلة التي تحكم بها العقول السّليمة ، وجملة من الأحكام التي توافق العادات والحكم الكاملة ، وكان فيها الدّلالة الواضحة على صحّة دين الإسلام ، بحيث لم يكن لأحد مجال الشّكّ والتّرديد فيه - بيّن أنّه لا عذر في الإقامة على الشّرك وعدم قبول الإسلام بقوله : لا إِكْراهَ فِي قبول الدِّينِ القويم الذي جاء به محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، ولا مصداق لمفهومه ، حيث إنّه بالأدلّة العقليّة والآيات الباهرة قَدْ تَبَيَّنَ واتّضح الرُّشْدُ وسبيل الحقّ ، وهو ملّة التّوحيد ودين الإسلام ، وتميّز مِنَ الْغَيِّ وطريق الضّلال ، وهو مذهب الوثنيّة ، وسائر الأديان الباطلة . إن قيل : في تشريع الجهاد إكراه الكفّار ، فكيف ينفى مصداقه ؟ قلنا : ليس الإكراه إلزام الغير بما لا يرى فيه صلاحا وخيرا ، وبعد وضوح الحقّ يكون الامتناع عن قبوله عنادا ولجاجا ، فيكون قتل المعاند الجاحد عقوبة له كسائر الحدود المشروحة لا إكراها على قبول الدّين ، فالإسلام للكافر توبة من تلك المعصية . قيل : إنّ الآية نزلت في المجوس ، وأهل الكتاب فإنّهم لا يكرهون على الإسلام ، بل تقبل منهم الجزية . وفيه : أنّه لا يندفع به الإشكال ، لوضوح صدق الإكراه عند الإلزام بأحد الأمرين تخييرا ، مع أنّ الإكراه على الإسلام يتحقّق بتوعّد المكره وتخييره بين القتل وبذل المال مع الصّغار . روي أنّه كان لأنصاري من بني سالم بن عوف ابنان ، قد تنصّرا قبل مبعثه صلّى اللّه عليه وآله ، ثمّ قدما المدينة فألزمهما أبوهما ، وقال : واللّه لا أدعكما حتى تسلما ، فأبيا ، فاختصموا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فنزلت ، فخلّاهما « 1 » . أقول : هذا محمول على ما قبل تشريع الجزية على أهل الكتاب ، ويمكن أن يراد بالدّين التّشيّع والولاية .
--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 1 : 249 .