الشيخ محمد النهاوندي
48
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
إلّا آية من سورة الأحزاب ، فإنّه لم يجدها إلّا عند خزيمة بن ثابت ، فأدخلها في القرآن بشهادته وحده ، ولم يكن غيره مطّلعا عليها ! وكيف لم يعترض أحد على عمر بأنّك لا تدري أين آيات الكتاب وعند من تكون ؟ فعلم أنّ الكتاب كان جميعه معيّنا معلوما مشهورا بين الأصحاب . [ ثانيا ] : وأمّا حكم العقل فبيانه : أنّه لا شبهة أنّ جمع الآيات كان من أهمّ الواجبات لأنّ فيه حفظ أصلها من الضياع ، وحفظ ترتيبها ونظمها من الاختلال مع أنّ عليها مدار شرع الإسلام ، وأساس الدّين والأحكام ، ولم يكن للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله والمسلمين شغل واجب أهمّ منه إلّا الجهاد ، ولم يكن مزاحما به في أغلب الأوقات مع كون أمير المؤمنين عليه السّلام وكثير من الصحابة الخلّصين غالب الحضور ، وعنده صلّى اللّه عليه وآله ، وكان جمع القرآن وترتيبه في غاية السّهولة ، فكيف يمكن القول بالتسامح والتساهل والتسويف من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السّلام والخلّصين من الصحابة في مدّة عشرين سنة ، وتأخير أمير المؤمنين عليه السّلام هذا الواجب إلى بعد وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله حتّى يقع كثير من الآيات معرضا للتغيير والضياع ؟ والحاصل : أنّ جمع الكتاب وترتيب كلّ ما نزل منه في كلّ وقت وتدوينه ونشره ، كان من أوجب الواجبات وأهمّ الأمور ، لوضوح أنّه كان من أعظم معجزات النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وأتمّ الدلائل على صدق النبوّة وأساس الشريعة ، ومأخذ الأحكام الإلهيّة ، ولم يكن مزاحما بأهمّ منه في أغلب الأوقات ، مع أنّا نعلم أنّه كان أغلب أوقات النبيّ صلّى اللّه عليه وآله والمؤمنين الصادقين مصروفا في العبادات ، وأىّ عبادة كان أهمّ من جمع القرآن الذي كان بجمعه وحفظه حفظ الإسلام مع علمهم بكثرة المنافقين والمعاندين للدّين مع إقدامهم في مشاقّ الأمور لحفظ الاسلام . وكان جمع القرآن عليهم في غاية السّهولة ، خصوصا على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله مع ملازمة أمير المؤمنين عليه السّلام لخدمته في اللّيل والنّهار ، فالمتأمّل المنصف يقطع بوقوع الجمع متدرجا بتدرّج النزول بأمر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وخطّ أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه ، يقطع بجمع كثير من المؤمنين له وتأليف نسخ كثيرة منه ، وعرضها على النبي صلّى اللّه عليه وآله وعدم تساهل كثير منهم فيه ، حيث لم يكن في زمان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله علم غير علم القرآن ، ولم يكن للصحابة حظّ وعبادة أكثر من تلاوة القرآن . [ ثالثا ] : وأمّا العادة والاعتبار فبيانه : أنّه كان لعدّة من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله منصب كتابة الوحي ، فلا بدّ