الشيخ محمد النهاوندي
459
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
قيل : إنّ المسلمين أخذوا بإطلاق الاعتزال « 1 » فأخرجوهنّ من بيوتهنّ ، فقال جمع من الأعراب : يا رسول اللّه ، البرد شديد والثّياب قليلة ، فإن آثرناهنّ بالثّياب هلك سائر أهل البيت ، وإن استأثرناها هلكت الحائض . فقال صلّى اللّه عليه وآله : « إنّما أمرتكم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن ، ولم آمركم بإخراجهنّ من البيوت كفعل الأعاجم » فلمّا سمع اليهود ذلك ، قالوا : هذا الرّجل يريد أن لا يدع شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه . ثمّ جاء عباد بن بشير وأسيد بن حضير إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فأخبراه بذلك ، وقالا : يا رسول اللّه ، أفلا ننكحهنّ في المحيض ؟ فتغيّر وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حتّى ظننّا أنّه غضب عليهما ، فقاما فجاءته هديّة من لبن ، فأرسل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله إليهما فسقاهما ، فعلمنا أنّه صلّى اللّه عليه وآله لم يغضب عليهما « 2 » . ثمّ أنّه ورد في أخبار كثيرة أنّ أقلّ الحيض ثلاثة أيّام وأكثره عشرة « 3 » . ثمّ بيّن سبحانه غاية وجوب الاعتزال بقوله : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ بالمجامعة في القبل حَتَّى يَطْهُرْنَ من الحيض وينقطع الدّم عن باطن الفرج ، ويعلم ذلك بالاختبار . وفي رواية : ( حتّى يطّهّرن ) بالتشديد « 4 » ، أي يغتسلن . عن الصادق عليه السّلام [ سئل ] : ما لصاحب المرأة الحائض منها ؟ فقال : « كلّ شيء ما عدا القبل بعينه » « 5 » . وعنه عليه السّلام قال : « ترى هؤلاء المشوّهين في خلقهم ؟ « قال : قلت : نعم . قال : « هؤلاء الذين آباؤهم يأتون نساءهم في الطمث » « 6 » . وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « من جامع امرأته وهي حائض فخرج الولد مجذوما أو أبرص فلا يلومنّ إلّا نفسه » « 7 » . فَإِذا تَطَهَّرْنَ واغتسلن غسل الحيض ، وقيل : إنّ المراد : إذا طهرن فَأْتُوهُنَّ وجامعوهنّ ، وليكن الإتيان والمجامعة مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ عن ابن عبّاس : من حيث أمركم اللّه بتجنّبه ، وهو محلّ الحيض ، أعني القبل « 8 » . وقيل : من حيث الطّهر دون الحيض « 9 » .
--> ( 1 ) . في تفسير الرازي : أخذ المسلمون بظاهر الآية . ( 2 ) . تفسير الرازي 6 : 63 . ( 3 ) . تفسير الرازي 6 : 67 . ( 4 ) . تفسير الرازي 6 : 68 . ( 5 ) . الكافي 5 : 538 / 1 . ( 6 ) . الكافي 5 : 539 / 5 . ( 7 ) . من لا يحضره الفقيه 1 : 53 / 201 . ( 8 و 9 ) . كنز العرفان 1 : 45 / 6 .