الشيخ محمد النهاوندي

455

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

يتيم ، وسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في إخراجهم » « 1 » . قيل : كان سبب ذلك أنّ النّاس في الجاهليّة كانوا قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى ، وربّما تزوّجوا باليتيمة طمعا في مالها ، ثمّ لمّا نهى اللّه تعالى عن مقاربة مالهم وحرمة أكله ، وهدّد وشدّد عليه ، ترك المؤمنون « 2 » مخالطة اليتامى والمقاربة من أموالهم ، والقيام بأمورهم ، فعند ذلك اختلّت مصالح اليتامى وساءت معايشهم « 3 » ، فثقل ذلك على النّاس « 4 » . روي : لمّا نزلت الآيات اعتزلوا أموال اليتامى واجتنبوا مخالطتهم في كلّ شيء حتّى كانوا يضعون لليتيم طعاما فيفضل منه شيء فيتركونه ولا يأكلونه حتّى يفسد ، وكان صاحب اليتيم يفرد له منزلا وطعاما وشرابا ، فعظم ذلك على ضعفاء المسلمين ، فقال عبد اللّه بن رواحة : يا رسول اللّه ، مالكلنا منازل تسكنها الأيتام ، ولا كلّنا يجد طعاما وشرابا يفردهما لليتيم « 5 » . فنزلت قُلْ : يا محمّد إِصْلاحٌ لَهُمْ ومداخلتهم على نحو يكون فيها صلاح حالهم وأموالهم خَيْرٌ لكم ولليتامى من إخراجهم ومجانبتهم . وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ وتعاشروهم وتتصرّفوا في أموالهم بجهة الإصلاح والاسترباح لهم فَإِخْوانُكُمْ في الدين . ومن المعلوم أنّ علاقة الاخوّة الدينيّة أقوى من علاقة الاخوة النّسبيّة ، وحقّ الاخوّة رعاية صلاح الأخ والسّعي في إيصال النّفع إليه وحسن المخالطة والعشرة معه . وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ لمال اليتامى ، وغيره مِنَ الْمُصْلِحِ له إذ هو وليّ اليتيم ، فعليه أن يطالب المفسد ويجازيه على إفساده ، ويشكر المصلح ويثيبه على إصلاحه . عن ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام أنّه قيل له : إنّا ندخل على أخ لنا في بيت أيتام ومعهم خادم [ لهم ] ، فنقعد على بساطهم ونشرب من مائهم ويخدمنا خادمهم ، وربّما طعمنا فيه الطّعام من عند صاحبنا وفيه من طعامهم ، فما ترى في ذلك ؟ فقال : « إن كان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلا بأس ، وإن كان فيه ضرر فلا » .

--> ( 1 ) . تفسير القمي 1 : 72 . ( 2 ) . في تفسير الرازي : القوم . ( 3 ) . في تفسير الرازي : معيشتهم . ( 4 ) . تفسير الرازي 6 : 50 . ( 5 ) . تفسير الرازي 6 : 51 .