الشيخ محمد النهاوندي

449

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

مِنْهُ أي من المسجد ، كلّ واحد من هذه الأمور إثم من قريش أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وفي علمه من قتال سريّة وقتل ابن الحضرميّ في الشّهر الحرام ؛ لأنّ القتال فيه قد يحلّ والكفر باللّه لا يحلّ بحال . قيل : إنّ عدّه المسلمين من أهل المسجد مع كونهم خارجين عن مكّة ، لكونهم قائمين بأداء وظائفه حافظين لحدوده « 1 » . وَالْفِتْنَةُ والفساد في الأرض ، وقيل : إنّ المراد منها الشّرك باللّه وإخراج أهل المسجد « 2 » أَكْبَرُ وزرا ، وأشدّ قبحا مِنَ الْقَتْلِ الصادر من المسلمين على سبيل الخطأ ، وبظنّ عدم دخول الشّهر الحرام . نقل أنّه لمّا نزلت ، كتب عبد اللّه بن أنيس إلى مؤمني مكّة : إذا عيّركم المشركون بالقتال في الشّهر الحرام ، فعيّروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من مكّة ، ومنعهم المسلمين عن البيت « 3 » . ثمّ بيّن سبحانه ، أنّهم كيف يعيّرونكم على قتل واحد وَ هم لا يَزالُونَ في جميع الأوقات يُقاتِلُونَكُمْ ويديمون على عداوتكم ولا ينفكّون عنها حَتَّى يَرُدُّوكُمْ وكي يصرفوكم عَنْ دِينِكُمْ الحقّ إلى دينهم الباطل إِنِ اسْتَطاعُوا وأنّى لهم ذلك لتصلّبكم في إيمانكم ، وثباتكم في دينكم ، وفيه تطييب لقلوب المؤمنين . ثمّ أنّه تعالى بعد استبعاد ارتداد أهل الإيمان ، أخذ في تحذير من يرتدّ بإضلالهم ، بقوله : وَمَنْ يَرْتَدِدْ وينصرف مِنْكُمْ أيّها المسلمون عَنْ دِينِهِ الحقّ إلى الباطل ، وعن التّوحيد إلى الشّرك فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ ولم يتب عن ارتداده ، ولم يرجع إلى الإسلام ، وفيه ترغيب في الرّجوع إلى الاسلام بعد الارتداد وقبل الموت ، ودلالة على قبول توبة المرتدّ فَأُولئِكَ المرتدّون البعيدون عن رحمة اللّه حَبِطَتْ وضاعت أَعْمالُهُمْ الصالحة التي عملوها حال إسلامهم ، ولا يترتّب عليها نفع وأثر خير فِي الدُّنْيا فإنّ للأعمال الخيريّة آثارا وفوائد دنيويّة كحسن الذّكر عند المؤمنين ، وطلب المغفرة له منهم ، وجواز المناكحة ، والموادّة ، وألطاف خاصّة من اللّه في أعقابه . روي عن الصادق عليه السّلام : « أنّ اللّه ليصلح لصلاح « 4 » المؤمن ولده وولد ولده ، ويحفظه في دويرته ودويرات حوله ، فلا يزالون في حفظ اللّه لكرامته على اللّه » « 5 » الخبر . فبالارتداد تزول تلك الآثار

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 6 : 34 . ( 2 و 3 ) . تفسير روح البيان 1 : 335 . ( 4 ) . في تفسير العياشي : بصلاح الرجل . ( 5 ) . تفسير العياشي 3 : 106 / 2687 .