الشيخ محمد النهاوندي
440
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
الشّرك ، وكانوا على الفطرة والاستعداد لقبول الحقّ ، كما عن ( المجمع ) عن الباقر عليه السّلام : « أنّهم كانوا قبل [ نوح ] امّة واحدة على فطرة اللّه ، لا مهتدين ولا ضلّالا » « 1 » الخبر . فَبَعَثَ اللَّهُ فيهم النَّبِيِّينَ حال كونهم مُبَشِّرِينَ للمؤمنين بوحدانيّته وأنبيائه وشرائعه ، بفضله وثوابه وَمُنْذِرِينَ للكافرين بها من عقابه . عن ( الكافي ) : عن الصادق عليه السّلام قال : « كان [ النّاس ] قبل نوح امّة ضلال ، فبدا للّه فبعث النبيّين ، وليس كما يقولون : لم يزل ، [ و ] كذبوا ، يفرق [ اللّه ] في ليلة القدر ما كان من شدّة أو رخاء أو مطر بقدر ما شاء أن يقدّر إلى مثلها » « 2 » الخبر . لعلّ المراد أنّ اللّه لم يترك الخلق سدى ، وما كانت يده مغلولة ، فكما أنّه يدبر أمور معاشهم في كلّ آن ويقدّرها في كلّ سنة ، كذلك يدبّر أمور دينهم ببعث الرّسل . إشكال وحلّ فإن قلت : يلزم على الرّوايتين أن يكون زمان [ ما ] خاليا من الحجّة ، وهو خلاف ما عليه الإماميّة وما دلّت عليه الرّوايات المتظافرة إن لم تكن متواترة . قلت : لعلّ التّرتّب المستفاد من الفاء هو التّرتّب العقليّ لا الزّماني ، فإن النّبيّ وإن كان قبل الخلق ، ولكن البعث لا يتحقّق إلّا بعد وجود المبعوث إليه ، فيكون مفاد الآية - واللّه العالم - أنّه لو لم يكن بعث النّبيّين ، لم يكن اختلاف بين النّاس لأنّ كلّهم كانوا جهّالا وضلّالا ، فلمّا بعث الرّسل حدث الاختلاف بينهم ، ولم يحدث إلّا بوجود الاخلاق الرّذيلة من الحسد والبغي على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله . توضيح بتمثيل وهذا نظير ما قيل من أنّ الأجسام ليس لها لون وإنّما اللّون إذا أشرقت الأجسام ، فإذا وقع الشّعاع على الجسم فبحسب الاستعداد الّذي يكون للجسم يحصل للنّور لون مناسب لما في كون الجسم من الاستعداد والخصوصيّة ، ففي الحقيقة الألوان المختلفة تكون للنّور لا للجسم ، وانّما يظهر كلّ لون من الألوان للنّور بسبب انعكاسه على الجسم الذي تكون فيه خصوصيّة مناسبة لذلك اللّون ، فكذلك النّفوس البشريّة ليس فيها فعليّة الاختلاف في الإيمان والكفر ، ولو لم يكن إشراق نور شمس النبوّة والهداية ، كانت جميع النّفوس متساوية . فإذا أشرق نور النبوّة ظهر الاختلاف فيهم بالإيمان والكفر على حسب اختلاف الاستعدادات والخصوصيّات ، فمن كانت نفسه مستعدّة لقبول الحقّ ، ولم يغلب عليها الحسد والبغي يكون من أهل الإيمان على اختلاف مراتبه ، ومن فيه الخباثة
--> ( 1 ) . مجمع البيان 2 : 543 . ( 2 ) . الكافي 8 : 82 / 40 ، تفسير الصافي 1 : 224 .