الشيخ محمد النهاوندي
412
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ أنّه روي أنّ معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم ، وهم كانا من الأنصار ، قالا : يا رسول اللّه ، ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ، ثمّ يزيد حتّى يمتلئ ويستوي ، ثمّ لا يزال ينقص حتّى يعودكما بدأ ؟ لم لا يكون على حالة واحدة كالشمس ؟ [ فنزلت هذه الآية ] « 1 » . ولمّا جرى ذكر شهر رمضان لتعيين وقت الصّوم ، ذكر اللّه هذا السؤال وجوابه هنا بقوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ حكمة اختلاف حال الْأَهِلَّةِ بزيادة نورها ونقصانه . قيل : وجه إطلاق الهلال على أوّل ما يبدو من نور القمر إلى ثلاث ليال أنّ العرب كانوا يرفعون أصواتهم بالذّكر عند رؤيته « 2 » . وروي عن معاذ : أنّ اليهود سألت عن الأهلّة « 3 » ، فأجابهم اللّه بقوله : قُلْ لهم يا محمّد أنّ الأهلّة هِيَ مَواقِيتُ ومعالم جعلت لِلنَّاسِ يوقّتون بها تجاراتهم وديونهم وعدّة نسائهم ، وعباداتهم من صومهم وفطرهم وصلوات جمعهم وأعيادهم ، وسائر ما يحتاجون إلى التوقيت من أمور معاشهم ومعادهم . ثمّ لكثرة الاهتمام بالحجّ خصّه بالذكر بقوله : وَالْحَجِّ يعرف بها وقته ، حيث إنّه مختصّ بالأشهر المعيّنة ، ولا يجوز نقله إلى غيرها كما كانت العرب تفعل ذلك في النّسيئ . ثمّ لمّا جرى ذكر الحجّ في المقام ، ذكر اللّه تعالى بدعة من بدع المشركين في حال الإحرام استطرادا . روي عن الباقر عليه السّلام : « أنّهم إذا أحرموا كانوا لم يدخلوا دارا ولا فسطاطا من بابه ، ولكنّهم كانوا ينقبون في ظهور بيوتهم نقبا يدخلون ويخرجون منه ، ويسمّونه برّا ، فنهاهم اللّه عن التديّن به » « 4 » بقوله : وَلَيْسَ الْبِرُّ ولا القربة إلى اللّه بِأَنْ تَأْتُوا وتدخلوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وخلفها وَلكِنَّ الْبِرَّ ما يقرّب إلى جميع الخيرات الدنيويّة والأخرويّة برّ مَنِ اتَّقى ما حرّم اللّه . كذا روي عن الصادق عليه السّلام « 5 » .
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 5 : 120 ، تفسير روح البيان 1 : 303 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 1 : 303 . ( 3 ) . تفسير الرازي 5 : 120 . ( 4 ) . مجمع البيان 2 : 508 ، تفسير الصافي 1 : 208 . ( 5 ) . تفسير الصافي 1 : 208 .