الشيخ محمد النهاوندي

409

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

في منع الملازمة بين إباحة الجماع في الليل وإباحة الاصباح جنبا وعن بعض العامّة : أنّ الآية دالّة على صحّة صوم من أصبح جنبا ، حيث إنّ ( حتى ) غاية لجواز المباشرة والأكل والشرب إلى طلوع الفجر ، وجواز تأخير الغسل إلى الصّبح لازم إباحة المباشرة في الزّمان المتّصل بالصّبح « 1 » . وفيه منع الملازمة ، فإنّ حرمة الإصباح جنبا لا ينافي جواز المباشرة قبل الفجر ، لأنّه إذا باشر قبل الصّبح لم يرتكب حراما من حيث تلك المباشرة ، بل بالإصباح جنبا . والحاصل : أنّه لو دلّ الدّليل على مفطّريّة الإصباح جنبا ، لا يعارضه ظهور الآية ، بل الآية ساكتة عن مفطريّة البقاء على الجنابة نفيا وإثباتا . ثُمَّ أَتِمُّوا وأديموا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ فإنّ أوّله آخر وقته ، ويعلم بزوال الحمرة المشرقيّة عن قمّة الرأس . ثمّ بعد بيان حرمة مباشرة النّساء في زمان الصّيام ، بيّن حرمتها في حال الاعتكاف بقوله : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ ليلا ونهارا بالجماع ومقدّماته وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ ومقيمون بقصد العبادة المعهودة فِي الْمَساجِدِ عموما على قول ، وفي كلّ مسجد جامع على قول آخر ، أو خصوص مسجد جمع فيه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أو الوصيّ جمعة أو جماعة على قول ثالث ، فإن باشر أحد في حال الاعتكاف ليلا أو نهارا يبطل على ما ذهب إليه بعض الأصحاب . ثمّ بالغ في الرّدع عن مخالفة أحكامه بقوله : تِلْكَ الأحكام حُدُودُ اللَّهِ وحرماته فَلا تَقْرَبُوها فإنّ النّهي عن القرب أبلغ في التّحريم من النّهي عن المخالفة . عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « ألا وإنّ لكلّ ملك حمى ، وإنّ حمى اللّه محارمه ، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه » « 2 » . كَذلِكَ التّبيين والتّوضيح الذي لا يبقى الشكّ معه يُبَيِّنُ اللَّهُ ويوضح آياتِهِ وحججه على توحيده ونبوّة نبيّه وسائر أحكامه لِلنَّاسِ كافّة لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ عقابه ويحترزون عن مخالفته . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 188 ] وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 188 )

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 5 : 110 ، تفسير روح البيان 1 : 300 ( 2 ) . تفسير الرازي 5 : 115 .