الشيخ محمد النهاوندي

391

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ لمّا كان من دلائل صدق النّبيّ موافقة أحكام شريعته للعقول السّليمة والأذهان المستقيمة ، كانت تلك الأحكام دليلا على صدق النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في دعوى نبوّته . وعلى أنّه المبشّر به في التّوراة ، ومع ذلك أنكر عليه اليهود وكتموا ما يدلّ على نعوته في كتابهم ، فلذلك هدّدهم على كتمانهم طلبا للزخارف الدنيويّة بقوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ويطلبون بدل كتمانهم نعوت محمّد صلّى اللّه عليه وآله ثَمَناً قَلِيلًا وعوضا يسيرا من متاع الدّنيا . أُولئِكَ الكاتمون ما يَأْكُلُونَ وما يجرون بالمآكل التي « 1 » يصيبونها من سفلتهم فِي بُطُونِهِمْ شيئا إِلَّا النَّارَ في الآخرة عقوبة على أكلهم الرّشا . في أنّ للأموال المحرمة صورة برزخية قيل : إنّ إطلاق النّار على مآكلهم من باب إطلاق المسبّب على السّبب « 2 » . ويمكن أن يكون الاطلاق من باب الحقيقة باعتبار أنّ الأموال المحرّمة صورتها البرزخيّة صورة النّار ، ولكن لا يشعرون بحقيقتها وصورتها المعنويّة ، حتّى إذا هبّت عليهم ريح عالم البرزخ والآخرة ، فعند ذلك تشتعل في بطونهم . ويؤيّده أنّه نقل أنّ عالما حضر في محضر سلطان ظالم فأمر السلطان بإحضار الطّعام ، فأحضروا الأطعمة الطيّبة ، فأمر السّلطان العالم بأكلها ، فأبى العالم ، فأصرّ السّلطان ، فقال العالم : هذه الأطعمة دماء المظلومين . فقال السّلطان مستهزئا به : كيف تكون هذه الأطعمة اللّذيذة دماء ؟ ! فأخذ العالم لقمة منها فعصرها فصبّ الدّم من بين أصابعه ، وعلى ذلك يحمل ما روي من أنّ الشّارب في آنية الذّهب والفضّة إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم « 3 » . وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ بكلام فيه لطف وعطوفة « 4 » كما يكلّم به أهل الجنّة . وقيل : إنّ ترك الكلام كناية عن نهاية الإعراض ، حيث إنّ عادة الملوك أنّهم لا يكلّمون من يعرضون عنه عند الغضب ، ويكلّمون من يرضون عنه بالبشر واللّطف « 5 » . وَلا يُزَكِّيهِمْ ولا يطهّرهم من دنس المعاصي كما يطهّر المؤمنين ، لعدم قابليّة الكافر للتّطهير .

--> ( 1 ) . في النسخة : الذي . ( 2 ) . تفسير روح البيان 1 : 279 . ( 3 ) . تفسير الرازي 5 : 27 . ( 4 ) . كذا ، وقياس المصدر : عطف أو عطوف . ( 5 ) . تفسير الرازي 5 : 27 .