الشيخ محمد النهاوندي
385
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وانتفعوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ من النعم ، حال كونها حَلالًا ومباحا لكم ، ليس من اللّه عقدة الحظر والحرمة طَيِّباً لذيذا أو طاهرا من كلّ شبهة . وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ولا تطأوا على عقبه ولا تقتدوا به ، ثمّ علّل النّهي بقوله : إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة عند من له بصيرة نافذة ، فلا تتعدّوا عن الحلال إلى ما يدعوكم إليه الشّيطان من الحرام . عن ابن عبّاس : نزلت الآية في الذين حرّموا على أنفسهم السّوائب والوصائل والبحائر « 1 » ، وهم قوم من ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني مدلج « 2 » . ثمّ ذكر اللّه تفصيل عداوة الشّيطان بقوله : إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ ويدعوكم إلى المعصية وَالْفَحْشاءِ قيل : هو أقبح أنواع المعاصي ، ولذا يقال للزّنا فاحشة « 3 » . وَأَنْ تَقُولُوا وتفتروا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أنّ اللّه قاله وأمر به ، وهو أقبح من الفحشاء ، فيدخل في الآية الصّغائر والكبائر والشّرك والبدعة في الدّين . عن ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام : « إيّاك وخصلتين ففيهما هلك من هلك ؛ إيّاك أن تفتي النّاس برأيك ، أو تدين بما لا تعلم » « 4 » . وعن الباقر عليه السّلام أنّه سئل عن حقّ اللّه على العباد ، قال : « أن يقولوا ما يعلمون ، ويقفوا عندما لا يعلمون » « 5 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 170 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 170 ) ثمّ أنّه تعالى بعد إباحة نعمه الطيّبة لجميع خلقه ، التي هي موجبة لتوحيده وعبادته ، ونهيه عن اتّباع الشيطان ، أخذ في ذمّ المشركين الذين هم أخصّ النّاس باتّباعه ، وبيّن نهاية حمقهم ، بقوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ وعظا ونصحا اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ في كتابه وعلى لسان رسوله من العقائد الحقّة والأعمال الحسنة .
--> ( 1 ) . السائبة : الناقة التي كانت تسيّب في الجاهلية لنذر ونحوه ، والوصيلة في الجاهلية : النّاقة التي وصلت بين عشرة أبطن ، والبحيرة : الناقة كانت في الجاهلية إذا ولدت خمسة أبطن شقّوا أذنها . ( 2 ) . تفسير الرازي 5 : 2 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 1 : 272 . ( 4 ) . الكافي 1 : 33 / 2 ، تفسير الصافي 1 : 192 . ( 5 ) . الكافي 1 : 34 / 7 ، تفسير الصافي 1 : 192 .