الشيخ محمد النهاوندي
383
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
إلى ما أرى ؟ فقالوا : الخوف من النّار . فقال : [ حقّ ] على اللّه أن يؤمن الخائف . ثمّ تركهم إلى ثلاثة آخرين ، فإذا هم أشدّ نحولا وتغيّرا . فقال لهم : ما الذي بلغ بكم إلى هذا المقام ؟ قالوا : الشّوق إلى الجنّة . فقال : حقّ على اللّه أن يعطيكم ما ترجون . ثمّ تركهم إلى ثلاثة آخرين ، فإذا هم أشدّ نحولا وتغيّرا ، كأنّ وجوههم المرايا من النّور ، فقال : كيف بلغتم إلى هذه الدّرجة ؟ قالوا : بحبّ اللّه . فقال عليه السّلام : أنتم المقرّبون إلى اللّه يوم القيامة « 1 » . ونقل عن بعض الكتب : عبدي أنا وحقّك ، لك محبّ ، فبحقّي عليك ، كن لي محبّا « 2 » . ثمّ شرع اللّه تعالى في تهديد المشركين بقوله : وَلَوْ يَرَى ويعلم الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم باعتقادهم الشّرك واتّخاذهم الأنداد للّه - والأمثال لمحمّد وآله الأبرار ( صلوات اللّه عليهم ) - من الكفّار والفجّار إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ ويوم يشاهدون فيه ما اعدّ لهم من العقاب والنّكال ، وعجز أنفسهم عن الدّفاع أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ على الأمور جَمِيعاً لا قوّة ولا قدرة لأحد غيره وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ عليهم ، فيدخلهم من النّدم والتحسّر ما لا يدخل تحت الوصف ، ويخرج عن حدّ التصوّر . إِذْ تَبَرَّأَ الأصنام ورؤساء الضّلال الَّذِينَ اتُّبِعُوا وأطيعوا في الباطل مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا هم وأفنوا أعمارهم في عبادتهم وطاعتهم باعتقاد أنّهم أوكد أسباب نجاتهم في الآخرة وَ الحال أنّ المتبوعين رَأَوُا وعاينوا الْعَذابَ المعدّ لهم على إضلالهم وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ وزالت عنهم وسائل النّجاة من الشّدائد ، من القرابة والموادّة والمعاهدة والتابعيّة ، فعند ذلك لا يقدرون على خلاص أنفسهم ، فكيف بخلاص أتباعهم ؟ ولهذا يتبرّؤون منهم . ويحتمل أن تكون الجملتان بيانا لحال الأتباع ، ويكون المعنى : والحال أنّ الأتباع رأوا العذاب وانقطعت عنهم الوسائل ، فتوسّلوا بالرؤساء في نهاية استئصالهم وشدّة الحاجة إليهم ، طمعا في إعانتهم لهم ، وشفاعتهم عنهم . فإذا رأوا تبرّؤ الرؤساء منهم ، يدخلهم نهاية الحسرة وغاية النّدامة ، وَ حينئذ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وأطاعوا رؤساء الضّلال ، تمنيّا : لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً ورجعة إلى الدنيا فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ فيها عند ابتلائهم بالشّدائد وحاجتهم إلينا كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا في الآخرة . كَذلِكَ الإرادة الفظيعة يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حال كونها حَسَراتٍ مستولية عَلَيْهِمْ وندامات واردة بهم ، فكأنّهم لا يرون أعمالهم ، بل يرون مكانها الحسرة والنّدامة .
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 4 : 205 . ( 2 ) . تفسير الرازي 4 : 205 .