الشيخ محمد النهاوندي
38
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
كلّما أتاه جبرئيل بالوحي وقرأه عليه بألفاظه . إلى أن قال رحمه اللّه : وبهذا التحقيق حصل التوفيق بين نزوله تدريجا ودفعة ، واسترحنا من تكلّفات المفسّرين « 1 » ، انتهى . مع أنّه ليس فيما ذكرناه حمل الروايات على خلاف ظاهرها ، إذ من الواضح أنّه ليس المراد من القرآن الذي نزل في البيت المعمور الأصوات المعتمدة على المخارج ، المعبّر عنها بالحروف والكلمات ، ولا النقوش المنطبعة في الأوراق والصّفحات ، بل وجوده الجوهريّ ، فإنّ له صورة في عالم الملكوت مغايرة لصورته في هذا العالم ، واستعمال لفظ الإنزال في معنى الإيجاد غير عزيز كما قال تعالى : وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ « 2 » أي أوجد لكم . نعم في خبر المفضّل إشعار بتوجيهه رحمه اللّه حيث قال : قال الصادق عليه السّلام : « يا مفضّل ، إنّ القرآن نزل في ثلاث وعشرين سنة ، واللّه تعالى يقول : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ « 3 » ، وقال : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ « 4 » ، وقال : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ « 5 » . قال المفضّل : يا مولاي ، فهذا تنزيله الذي ذكره اللّه في كتابه ، فكيف ظهر الوحي في ثلاث وعشرين سنة ؟ قال : « نعم يا مفّضل ، أعطاه اللّه القرآن في شهر رمضان ، وكان لا يبلّغه إلّا في وقت استحقاق الخطاب ، ولا يؤدّيه إلّا في وقت أمر ونهي ، فهبط جبرئيل عليه السّلام بالوحي فبلّغ ما يؤمر به [ وهو قوله : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ » . « 6 » فقال المفضّل : أشهد أنّكم من علم اللّه علمتم ، وبقدرته قدرتم ، وبحكمه نطقتم ، وبأمره تعملون « 7 » . ويمكن حمله على ما ذكرنا من الوجه ، أو إبقاؤه على ظاهره إن كان له ظهور فيما ذكره رحمه اللّه من التوجيه والقول بنزوله في البيت المعمور وفي قلب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ولا منافاة بينهما . في بيان أسرار نزول القرآن العظيم نجوما على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وأمّا سرّ نزوله نجوما ، فكثير منه : [ 1 ] - أنّه صلّى اللّه عليه وآله بنزوله نجوما كان يتحدّى بكلّ نجم من آية أو سورة تنزل عليه ، ومن
--> ( 1 ) . تفسير الصافي 1 : 57 . ( 2 ) . الزمر : 39 / 6 . ( 3 ) . البقرة : 2 / 185 . ( 4 ) . الدخان : 44 / 3 - 5 . ( 5 ) . الفرقان : 25 / 32 . ( 6 ) . القيامة : 75 / 16 . ( 7 ) . بحار الأنوار 92 : 38 .