الشيخ محمد النهاوندي
378
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
حياة وموت . وَ في أنّه تعالى بَثَّ في الأرض وفرّق فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ من الانسان وسائر الحيوانات التي تدبّ وتتحرّك على وجه الأرض ، فإنّ من تفكّر في خلق الحيوانات خصوصا الانسان ، تحصل له معرفة كاملة بوحدانيّة صانعه وكمال حكمته ، فلينظر العاقل إلى بدو خلقته ؛ كان نطفة متشابهة الأجزاء ، ثمّ بعد استقرارها في الرّحم صارت دما متشابه الأجزاء ، ثمّ صار بعد مدّة بعضه عظما ، وبعضه لحما ، وبعضه عصبا ، وبعضه عروقا ، وبعضه شحما ، وبعضه جلدا ، مع كون جميع هذه الأجزاء متخالفات بالطّبع والوصف والفائدة ، حيث إنّ لكلّ منها فوائد عظيمة غير ما للأخرى . عن أمير المؤمنين عليه السّلام : « سبحان من بصّر بشحم ، وأسمع بعظم ، وانطق بلحم » « 1 » . في بيان بعض عجائب خلقة الانسان ثمّ لينظر إلى عجائب تركيب جسده ، فإنّ من راجع علم التّشريح وجد فيه من العجائب ما تحار فيه العقول وتضلّ فيه الأفهام ، ثمّ ليتفكّر في أنّه بعد انفصاله عن أمّه طفلا لو وضعت على فمه وأنفه خرقة تمنعه من التنفّس لمات في ساعته ، ومع ذلك بقي في رحم امّه حيّا من غير تنفّس مدة قريبة من خمسة أشهر ولم يمت . ثمّ من عجائب خلقة الانسان أنّه بعد ولادته يكون من أضعف الحيوانات بطشا وأقلّها إدراكا ، حيث إنّه لا يميّز بين امّه وغيرها ، ولا بين الماء والنّار ، والنّافع والمضرّ ، والملذّ والمؤذي ، ثمّ يصير بعد استكماله أعقل من سائر الحيوانات وأذكى من جميع موجودات عالم الأجسام ، بل يصير بإعمال القوّة النظريّة العمليّة جوهرا قدسيّا وعالما عقليّا ، مع أنّ أولاد سائر الحيوانات أقوى شعورا وأشدّ بطشا منه حال صغره . ومقتضى الطّبع أنّ كلّ ما كان في صغره وبدو أمره أذكى وأعقل وأبطش ، كان في كبره وأوان استكماله أكمل في تلك الصفات « 2 » ، وليس هذه المزيّة للإنسان إلّا من عطايا القادر الحكيم المنّان . ثمّ من عجائب خلق الانسان كثرة اختلاف ألسنتهم وألوانهم وطبائعهم وأمزجتهم وأخلاقهم ، وكيفية أشكالهم وأصواتهم بحيث لا يكاد يرى فردان من الإنسان متماثلين في الشّكل وكيفيّة
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 4 : 199 . ( 2 ) . والانسان على الضدّ من ذلك ، ويؤيده ما جاء في الحديث عن العبد الصالح عليه السّلام : « تستحبّ عرامة الصبي في صغره ليكون حليما في كبره ، ثمّ قال : ما ينبغي أن يكون إلا هكذا » الكافي 6 : 51 / 2 .