الشيخ محمد النهاوندي

376

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ شرع اللّه تعالى في إقامة البرهان على وحدانيّته ، ومن الواضح أنّ الاستدلال بالآثار على وجود المؤثّر أقرب إلى فهم العامّة ، ولذا جرت سيرته تعالى في الكتاب العزيز بالاستدلال على وجوده ووحدانيّته بمخلوقاته العجيبة ومصنوعاته البديعة ، مع أنّ من توغّل في التفكّر في مخلوقاته تعالى كان أكثر علما بجلال اللّه وعظمته وقدرته وحكمته . ثمّ لمّا كان من أظهر الآيات وأعظمها في أنظار العامّة خلق السّماوات ، بدأ بذكره ، بقوله : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ السّبع أو التسع وإنشائها على سبيل الاختراع والإبداع بلا عمد تمنعها من السّقوط ، وعلاقة تحبسها عن الوقوع . ثمّ ثنّاه بذكر الآية التي هي دون السّماوات وفوق غيرها في العظمة ، بقوله : وَ في خلق الْأَرْضِ مع ما فيها من أعاجيب وبدائع الصنائع التي يعجز عن فهمها عقول البشر . قيل : إنّما جمع السّماوات وأفرد الأرض ، للإشعار بأنّ كلّ سماء ليست من جنس الأخرى بخلاف الأرضين ، فإنّها كلّها من جنس واحد وهو التّراب « 1 » . ثمّ ذكر الآية الأخرى التي تكون من توابع خلق السّماوات بقوله : وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وتعاقبهما بحيث يخلف كلّ واحد منهما الآخر ، أو المراد اختلافهما بالجنس والهيئة والصّفات والمنافع ، حيث إن الليل جعل سكنا وراحة لظلمته لأن لا ينهك الأبدان بشدّة الكدّ والتعب ، والنّهار مبصرا لطلب المعاش وابتغاء فضل اللّه . ثمّ ذكر الآية التي تكون من خواصّ الأرض بقوله : وَالْفُلْكِ وهي السّفن الَّتِي تَجْرِي وتسير فِي الْبَحْرِ مصحوبة بِما يَنْفَعُ النَّاسَ من الأمتعة . في وجه كون الفلك وسيرها في البحر من آيات اللّه وإنّما جعل خلق الفلك وسيرها من آياته مع أنّها مصنوعات خلقه ؛ لأنّ في خلق أجزائها بحيث تستقرّ على البحر في أمد بعيد لا تغرق ولا تغوص فيه ، كما إذا كان كلّها من حديد ، وتسخير البحر لها بحيث تجري فيه بسهولة ، وتعليم صنعها حمولة « 2 » بحيث تنقل بها الأمتعة النافعة من بلد إلى بلد ، وإرسال الرّياح غير العاصفة لتحريكها وتسييرها بسرعة ، وتقوية القلوب لركوبها ، وجعل الأمتعة فيها حتّى ينتفع عموم النّاس بأشياء نافعة مختصّة ببعض البلاد ، حيث إنّه من الواضح اختصاص بعض البلاد ببعض الأمتعة التي يحتاج إليها أهل البلاد

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 1 : 267 . ( 2 ) . كذا .