الشيخ محمد النهاوندي

374

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وقيل : إنّ المراد بالنّاس في الآية المؤمنون منهم لأنّهم المنتفعون بالإنسانيّة ، وأمّا الكفّار فهم كالأنعام بل هم أضلّ « 1 » ، فاللّعنة محيطة بهم حال كونهم خالِدِينَ ودائمين فِيها لا خلاص لهم منها ، فلازم دوام اللّعنة عليهم أنّه لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ كيفيّة ولا يهوّن عليهم ساعة وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ويمهلون لحظة . وقيل : إنّ المراد أنّه لا ينظر إليهم ربّهم نظر الرّحمة « 2 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 163 ] وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ( 163 ) ثمّ أنّه لمّا كان الشّرك ساريا في اليهود والنّصارى وغيرهم من العرب ، دعا اللّه تعالى جميعهم بعد محاجّتهم في النبوّة إلى التّوحيد الخالص بقوله : وَإِلهُكُمْ ومعبودكم أو مفزعكم أيّها النّاس إِلهٌ واحِدٌ ومفزع أو معبود فارد لا تعدّد له حتّى تباينوا في المقصد وتتشعّبوا في المسلك . ثمّ قرّر وحدانيّته وأكّدها بقوله : لا إِلهَ موجود ومتصوّر إِلَّا هُوَ فلا تعبدوا إلّا إيّاه ، ولا ترجوا ولا تخافوا ما سواه . وفي الإتيان بضمير الغائب إشعار بأنّه تعالى من غاية إبهام ذاته وكنه صفاته ، يكون غيب الغيوب وحقيقته من العقول والأوهام مستورا ومحجوبا ، لا تدركه الأبصار والقلوب ، وهو يدرك الأبصار والألباب ، ليس له دون خلقه ستر ولا حجاب ، محيط بذرّات الكائنات ، قيّوم على جميع الممكنات ، فهو بذاته مع قطع النّظر عن نعمه مستحقّ لأن يعبده جميع الموجودات . ثمّ أضاف إلى استحقاقه الذاتيّ استحقاقه الصّفاتيّ بقوله : الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ المولى بجميع النعم ، أصولها وفروعها ، حيث إنّ جميع ما سواه إمّا نعمة وإمّا منعم عليه من فضله ورحمته ، فلا يستحقّ غيره العبادة . روي عن أسماء بنت يزيد أنّها قالت : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقول : إنّ في هاتين الآيتين اسم اللّه الأعظم : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ و اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * « 3 » . ثمّ أنّه روي أنّه : لمّا قدم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله المدينة ، نزلت عليه آية : إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فسمع [ كفّار ]

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 1 : 265 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 1 : 265 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 1 : 267 والآية من سورة البقرة : 2 / 255 ، وآل عمران : 3 / 2 .