الشيخ محمد النهاوندي
365
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ أنّه تعالى لتوطين العباد نفوسهم على الصّبر في المكاره بعد أمرهم بالاستعانة به ، نبههم على أنّ جميع البلايا من جانب اللّه لطف بهم وامتحان لهم بقوله : وَ باللّه لَنَبْلُوَنَّكُمْ ولنختبرنّ كمال نفوسكم وقوّة إيمانكم بِشَيْءٍ قليل مِنَ الْخَوْفِ من أعدائكم وَ من الْجُوعِ العارض لكم بسبب الفقر والقحط وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ بالتّلف بالسّرقة والغارة وغير ذلك وَ من الْأَنْفُسِ بالقتل والمرض والموت وغير ذلك من الآفات الجسمانيّة وَ من الثَّمَراتِ وحاصل الأشجار والزّرع بالجدب وسائر الآفات . قيل : في توصيفها بالقلّة إشعار بأنّها وإن كثرت فقليلة بالنّسبة إلى ما فوقها « 1 » . وقيل : إنّ المراد من الخوف خوف اللّه ، ومن الجّوع الصّيام ، ومن نقص الأموال الزكاة والصّدقات ، ومن نقص الأنفس الجهاد « 2 » ، وإنّما صارت البلايا امتحانا لأنّ الإخلاص حال البلاء للمؤمن أكثر من الإخلاص حال الرّفاه والرّخاء . ثم أنّه تعالى لازدياد رغبة المؤمنين بالتزام الصّبر ، وعدهم بالثّواب العظيم إجمالا بقوله : وَبَشِّرِ يا رسول اللّه الصَّابِرِينَ على البلايا والمصائب طلبا لمرضاة اللّه بالرّحمة الواسعة والنعم الدائمة والفضل الذي لا يسعه البيان . عن أمير المؤمنين عليه السّلام في وصيّة لمحمّد بن الحنفيّة ، قال : « ألق عنك واردات الهموم بعزائم الصّبر ، وعوّد نفسك الصّبر ، فنعم الخلق الصّبر ، واحملها على ما أصابك من أهوال الدنيا وهمومها » « 3 » . وعن الصّادق عليه السّلام ، عن أبيه ، قال : قال الفضل بن العبّاس « 4 » في حديث : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « إن استطعت أن تجّمّل « 5 » بالصّبر مع اليقين فافعل ، فإن لم تستطع فاصبر فإنّ في الصّبر على ما تكره خيرا كثيرا » الخبر « 6 » . وعن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : « يا حفص ، إنّ من صبر صبر قليلا ، وإنّ من جزع جزع قليلا » ثمّ قال :
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 1 : 260 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 1 : 260 . ( 3 ) . من لا يحضره الفقيه 4 : 276 / 830 . ( 4 ) . في المشكاة والبحار : عبد اللّه بن العبّاس . ( 5 ) . في المشكاة والبحار : تعمل . ( 6 ) . مشكاة الأنوار : 20 ، بحار الأنوار 70 : 183 / 52 .