الشيخ محمد النهاوندي
361
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
قال لقمان لابنه : يا بنيّ ، إذا رأيت قوما يذكرون اللّه تعالى فاجلس معهم ، فإنّك إن تك عالما ينفعك علمك . وإن تك جاهلا علّموك . ولعلّ اللّه يطّلع عليهم برحمته فيصيبك معهم « 1 » . في أقسام ذكر اللّه وأنواعه قيل : الذكر قد يكون باللّسان ، وقد يكون بالقلب ، وقد يكون بالجوارح . فالذكر باللّسان : أن يحمدوه ويسبّحوه ويمجّدوه ويقرأوا كتابه . والذكر بالقلب على ثلاثة أنواع : أحدها : أن يتفكّروا في الدلائل الدالّة على ذاته وصفاته ، ويتفكّروا في الجواب عن الشبه العارضة في ملك اللّه « 2 » . وثانيها : أن يتفكّروا في الدلائل الدالّة على كيفيّة تكاليفه وأحكامه ، وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ، فإذا عرفوا كيفيّة التّكليف وعرفوا ما في الطاعة من الوعد وفي تركها من الوعيد سهلت عليهم . وثالثها : أن يتفكّروا في أسرار مخلوقات اللّه تعالى حتّى تصير كلّ ذرّة من ذرّات المخلوقات كالمرآة المجلوّة المحاذية لعالم القدس ، فإذا نظر [ العبد ] إليها انعكس شعاع بصره منها إلى عالم الجلال ، وهذا المقام مقام لا نهاية له . وأمّا الذكر بالجوارح فهو أن تكون جوارحهم مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها ، وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها . وعلى هذا الوجه سمّى اللّه تعالى الصّلاة ذكرا ، بقوله : فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ « 3 » فالأمر في قوله : اذكرونى متضمّن لجميع الطّاعات . كما نقل عن سعيد بن جبير ، أنّه قال في تفسيره : اذكروني بطاعتي « 4 » . ثمّ أنّه تعالى بعد الأمر بالذكر الذي هو بأحد الوجوه أهمّ العبادات وروحها ، أمر بالشّكر بقوله : وَاشْكُرُوا لِي على جميع نعمي ، ظاهريّة كالصّحّة والأمنيّة وغيرها . وباطنيّة : كإرسال الرّسول والهداية إلى الدّين القويم والطريق المستقيم الذي منها تحويل القبلة . وهذا أمر بجميع الطاعات ، فإنّ من الشكر القيام بالواجبات ، والاهتمام بترك المحرّمات ، كما روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام : « شكر كلّ نعمة الورع عن محارم « 5 » اللّه « 6 » » . وأقلّ مراتب الشّكر ثناؤه تعالى
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 1 : 257 . ( 2 ) . في تفسير الرازي : الشبهة القادحة في تلك الدلائل . ( 3 ) . الجمعة : 62 / 9 . ( 4 ) . تفسير الرازي 4 : 143 ، تفسير روح البيان 1 : 256 . ( 5 ) . في الخصال وتفسير الصافي : عمّا حرّم . ( 6 ) . الخصال : 14 / 50 ، تفسير الصافي 1 : 185 .