الشيخ محمد النهاوندي

338

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ بعد هذا الإقرار الإجمالي صرّحوا بالتّوحيد لاطمئنان قلب يعقوب ، بقولهم : إِلهاً واحِداً لا شريك له وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ منقادون . قيل : إنّ اليهود قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : ألست تعلم أنّ يعقوب أوصى بنيه باليهوديّة يوم مات ؟ فنزلت « 1 » . وعلى هذا يمكن أن تكون كلمة ( أم ) وصليّة . والتّقدير : أتدّعون هذا أم كنتم شهداء ؟ يعني أكان أوائلكم شاهدين وأنتم علمتم ذلك ، فما لكم تدّعون على الأنبياء ما هم منه براء ؟ وعن بعض التفاسير : أنّ يعقوب عليه السّلام لمّا دخل مصر ورأى أهلها يعبدون النّيران والأوثان خاف على بنيه الشّرك بعد وفاته ، فوصّاهم بهذه الوصيّة ، وأخذ منهم الإقرار تحريضا لهم على التمسّك بعبادة اللّه « 2 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 134 ] تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 134 ) ثمّ لمّا كان اليهود يفتخرون بآبائهم إبراهيم وإسحاق ، ويرون أنّهم لصلاح آبائهم لا يعذّبون ؛ ردّهم اللّه تعالى بقوله : تِلْكَ أُمَّةٌ وجماعة قَدْ خَلَتْ ومضت ، حال كونه لَها ما كَسَبَتْ وعملت ، لا يرجع إليكم نفع أعمالهم وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ من أعمالكم ، لا يرجع إليهم ثوابها ونفعها وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ولا تؤاخذون به . فلا تفخروا بأوائلكم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السّلام إذ لا ينفعكم حسناتكم ، ولا يضرّكم سيّئاتهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 135 ] وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 135 ) ثمّ أنّه تعالى بعد إقامة البراهين على ضلالة اليهود والنّصارى ، بيّن أنّهم مع تلك الحجج القاطعة مصرّون على كفرهم وضلالهم واتّباع المسلمين لهم بقوله : وَقالُوا للمسلمين كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى يعني قالت اليهود : كونوا هودا ، وقالت النّصارى : كونوا نصارى ، حتّى تَهْتَدُوا وتصيبوا طريق الحقّ . قُلْ يا محمّد ردّا عليهم : لا نتّبع اليهوديّة والنّصرانيّة بَلْ نتّبع مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حيث كان

--> ( 1 ) . تفسير الصافي 1 : 174 . ( 2 ) . تفسير الرازي 4 : 76 .