الشيخ محمد النهاوندي
333
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
من الجنّة إلى البيت درّة بيضاء ، فرفعه اللّه إلى السّماء ، وبقي اسّه . فهو بحيال هذا البيت ، يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك ، لا يرجعون إليه أبدا ، فأمر اللّه إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام ببنيان البيت على القواعد » « 1 » . في أنّ إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام كانا شريكين في رفع القواعد ، وأن إسماعيل أول من نطق بالعربية واعلم أنّ ظاهر الآية المباركة والروايات شركة إبراهيم وإسماعيل عليه السّلام في رفع القواعد وبناء البيت . وفي عدّة روايات أخر : أنّ إبراهيم كان متفرّدا في بناء البيت ، وإسماعيل كان يناوله الأحجار « 2 » ، كما عن ( المجمع ) عن الباقر عليه السّلام : « أنّ إسماعيل أوّل من شقّ لسانه بالعربيّة ، وكان أبوه يقول وهما يبنيان : هاي ابني « 3 » ، أي أعطني حجرا ، فيقول له إسماعيل بالعربيّة : يا أبه ، هاك حجرا ، فإبراهيم يبني وإسماعيل يناوله » « 4 » . ولعلّ وجه الجمع أنّ إبراهيم عليه السّلام كان شغله منحصرا برفع البناء ، وإسماعيل يشاركه في الرّفع ويناوله الحجر أيضا ، والملائكة كانوا يعاونونهما بإعطاء الحجر . وهما في هذا الحال يدعوان ويقولان : رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا عمل بناء بيتك إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ لدعائنا ومسألتنا الْعَلِيمُ بنياتنا والمشقّة التي نتحمّلهما خالصا لك ، وتقربا إليك . وفي تخصيص الوصفين به تعالى إشعار بالتّوحيد الصّفاتي ، كأنّهما قالا : إنّ سمع كلّ سميع وعلم كلّ عليم منك وراجع إليك ، وصفات غيرك مندكّة في صفاتك . وأمّا الدّعوة الثانية ، فقولهما : رَبَّنا وَاجْعَلْنا بتوفيقك وتأييدك مُسْلِمَيْنِ منقادين لَكَ مسلّمين لأوامرك وحكمك ، راضين بقضائك وقدرك ، خالصين لوجهك ، لا نعبد سواك ولا نتوجّه إلى غيرك وَ اجعل بعضا مِنْ ذُرِّيَّتِنا ونسلنا أُمَّةً وجماعة مُسْلِمَةً لَكَ . وإنّما خصّا الدعاء ببعض ذرّيتهم لعلمهم من قوله : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ « 5 » بأنّه لا بدّ أن يكون بعضهم ظالما ، ولم يعلما أنّ فيهم أهل التّسليم والتّفويض ، ولذا سألا أن يجعل اللّه بعضهم مسلما مخلصا منقادا كي يكون صالحا للإمامة .
--> ( 1 ) . تفسير العياشي 1 : 156 / 203 ، علل الشرائع : 398 / 1 . ( 2 ) . تفسير الرازي 4 : 48 . ( 3 ) . في مجمع البيان : يا إسماعيل هات ابن . ( 4 ) . مجمع البيان 1 : 389 . ( 5 ) . البقرة : 2 / 124 .