الشيخ محمد النهاوندي
326
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
الإمامة مختصّة بهم ، وعدم صلاحيّة غيرهم لها . في أنّ الشيخين لم يكونا صالحين للخلافة الإلهية والحاصل : أنّ الآية الكريمة ظاهرة الدلالة باتّفاق أصحابنا الإمامّية رضوان اللّه عليهم على عدم صلاحيّة أبي بكر وعمر للإمامة لوجوه : منها : أنّهما كانا مشركين باتّفاق الأمّة ، والشّرك ظلم لقوله تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ « 1 » فوجب عدم صلاحيّتهما للإمامة بهذه الآية . إن قيل : إنّهما لم يكونا مشركين في زمان الإمامة ؟ قلنا : صدق مفهوم الظالم عليهما في زمان مخرج لهما عن صلاحيّتها أبدا ، كما أنّ صدق السارق على أحد في زمان موجب لقطع يده أبدا ، وليس الحكم دائرا مدار صدق العنوان ، لأنّه علّة محدثة لا مبقية حتّى يبقى ببقائه وينتفي بانتفائه ، والشاهد على ذلك حكم العقل بعدم تناسب الذّوات التي فيها شائبة الخباثة والدّناءة مع هذه المرتبة الشامخة الإلهيّة . ومنها : أنّ من كان مذنبا في الباطن والسّرّ ، كان ظالما في الواقع وإن لم يطّلع عليه أحد ، وإذا لم تعرف طهارة باطنة لا يجوز أن يحكم بإمامته ، فوجب أن يكون معصوما حتّى يعلم عدم كونه ظالما في الباطن ، ولا تعلم العصمة إلّا بنصّ اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وآله ، ولمّا لم يعرف أنّ أبا بكر وعمر ما كانا ظالمين في الظاهر والباطن لاتّفاق الأمّة على أنّهما لم يكونا معصومين ، لم يجز أن ينصّبا للإمامة ، ووجب أن لا تتحّقق إمامتهما . قال الفخر الرازي : استدلّ الشيعة بهذه الآية على وجوب عصمة الإمام عن المعصية ظاهرا وباطنا ، وأمّا نحن فنقول : مقتضى الآية ذلك ، إلّا أنّا تركنا اعتبار الباطن ، فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة « 2 » . أقول : في هذا الجواب ما لا يخفى من الوهن . في أنّ الآيات الدالة على عصيان الأنبياء مؤوّلة إنّ قيل : إنّ اللّه تعالى حكى عن يونس عليه السّلام أنّه قال : سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ « 3 » وعن آدم عليه السّلام أنّه قال : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا « 4 » وعن موسى عليه السّلام أنّه قال : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي « 5 » فلا يكون الظلم منافيا للنبوّة . قلنا : إنّ إطلاق الظلم وإنّ كان منصرفا إلى ارتكاب المنهيّات التّحريميّة ، إلّا أنّه لا بدّ من تأويله في
--> ( 1 ) . لقمان : 31 / 13 . ( 2 ) . تفسير الرازي 4 : 42 . ( 3 ) . الأنبياء : 21 / 87 . ( 4 ) . الأعراف : 7 / 23 . ( 5 ) . النمل : 27 / 44 .