الشيخ محمد النهاوندي

321

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

المداراة معهم والإحسان إليهم حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ اليهوديّة وتوافقهم في العقائد الفاسدة ، ومع ذلك كيف تتوقّع أن يتّبعوا ملّتك الحقّ ؟ فإن سألوا منك الدخول في دينهم قُلْ ردّا عليهم : ليست اليهوديّة دين اللّه وهداه ، بل إِنَّ هُدَى اللَّهِ ودينه الذي رضي به وهو الإسلام هُوَ حقيق بأن يقال له : الْهُدى وطريق مؤدّ إلى رضوان اللّه ورحمته ، وأمّا اليهوديّة فإنّ أتباعها أتباع الهوى وعين الضّلال ، واللّه منها بريء . ثمّ هدّد اللّه على اتّباعها بقوله : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ وأنت أحبّ الخلق إليّ ، وأشرف الممكنات لديّ أَهْواءَهُمْ النّفسانيّة وعقائدهم الناشئة عن القوى الشّهوانيّة الّتي سمّوها دين اليهوديّة بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ بدين الحقّ على الفرض المحال ، يعاقبك اللّه عليه ، و ما لَكَ مِنَ اللَّهِ وبأسه مِنْ وَلِيٍّ وصديق يشفع لك وَلا نَصِيرٍ ومعين يدفع العقاب عنك . وفيه نهاية التّهديد على اتّباع الهوى بعد وضوح الهدى وقيام الحجّة ، كما أنّ في قوله صلّى اللّه عليه وآله : « لئن عصيت لهويت » « 1 » . غاية الوعيد للعصاة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 121 ] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 121 ) ثمّ إنّه لّما كان مجال أن يقال : إنّ ملّة اليهوديّة هي الهدى لأنّها ممّا جاء به موسى عليه السّلام ، ودلّت عليه التّوراة ، فاليهود آخذون ملّتهم من نبيّ اللّه وكتابه ، فلا بدّ أن يكون هدى اللّه ، دفع اللّه هذا التوهّم بقوله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ المعهود الذي نزل على موسى ، وهم يَتْلُونَهُ متدبّرا فيه ويقرأونه متفكّرا في معانية وحقائقه ، وذلك يكون حَقَّ تِلاوَتِهِ علموا بدلالته أنّ دين موسى وكتابه منسوخان ، وعرفوا أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله نبيّ ، وكتابه حقّ ، فالإيمان بالتّوراة ملازم للإيمان بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله . فالذين يؤمنون من أهل الكتاب بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله أُولئِكَ الّذين يصدّقون بكتاب التّوراة و يُؤْمِنُونَ بِهِ ويختصّون من بين اليهود باتّباعه ، كبعد اللّه بن سلّام وأضرابه . وأمّا من كفر بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله وبكتابه مع دلالة التّوراة على صدقهما ، فهو كافر بكتاب التّوراة ، ومكذّب له وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ ولا يتّبع ما فيه فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ في صفقتهم ، المغبونون في تجارتهم ،

--> ( 1 ) . الارشاد / للشيخ المفيد 1 : 182 ، بحار الأنوار 22 : 467 .