الشيخ محمد النهاوندي

319

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ومجيىء الشّجر بأمرك ، وتسبيح الحصاة في كفّك ، وتكلّم الذئب معك ، وإشباع الخلق الكثير بالطعام القليل لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ بالحقائق . فحاصل الجواب : أنّا قد أيّدنا محمّدا صلّى اللّه عليه وآله بالآيات الباهرات والمعجزات الظاهرات ، فإن كنتم طالبين لليقين فقد جاءكم بأزيد ممّا تحتاجون إليه من الدّلالات والبراهين ، وإن كنتم تعنتون فلا يحسن إجابتكم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 119 ] إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ ( 119 ) ثمّ لمّا كثر إصرارهم على الكفر والعناد ، وأغتمّ قلب النبي صلّى اللّه عليه وآله لذلك ، سلّى سبحانه وتعالى قلب حبيبه حبّا له ، ورحمة عليه ، بقوله : إِنَّا أَرْسَلْناكَ إليهم إرسالا مقرونا بِالْحَقِّ أو مصاحبا للكتاب المشتمل على حقائق المعارف ودقائق العلوم ، لتكون أو حال كونك بَشِيراً بالثّواب لمن أطاعك وَنَذِيراً بالعقاب لمن كفر وعصى ، فليس عليك إتعاب نفسك في ازدياد الدّعوة والمبالغة في التّبليغ ، فإنّه لا مزيد على ما فعلت ، فلا يكثر همّك من إصرارهم على الكفر ، ومكابرتهم للحقّ ، لأنّه ليس عليك تبعة سيّئاتهم . وَلا تُسْئَلُ يوم القيامة عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ ولا تؤاخذ بعصيانهم وكفرهم ، فإنّ ضررهما راجع إلى أنفسهم لا إليك . عن الباقر عليه السّلام : « أنّه على النّهي » « 1 » . أقول : قرأ به نافع أيضا « 2 » ، وعلى هذا يكون نهي النبي صلّى اللّه عليه وآله عن السؤال لأجل الإشعار بأنّ شدّة عذابهم وسوء حالهم ممّا لا يسعه البيان . في تغليط ما روته العامة في كفر والدي النبي صلّى اللّه عليه وآله والاستدلال على براءة آبائه وأمهاته من الشرك ثمّ اعلم أنّ من أغلاط كثير من العامّة أنّ النّهي كان عن سؤال النبي صلّى اللّه عليه وآله عن حال أبويه حيث رووا أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله قال : « ليت شعري ما فعل أبواي » فنزلت « 3 » . أقول : ليت شعري ، كيف يمكن خفاء كذب هذه الرواية على من له أدنى مرتبة [ من ] الشعور والدراية ، لبداهة أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله كان أعلم الخلق بأنّ الكفّار معذّبون بالنّار ، وكان أعرف النّاس بعقائد أبوية ، فمع اطّلاعه بكفرهما - تعاليا عن ذلك - كيف يجوز

--> ( 1 و 2 ) . مجمع البيان 1 : 371 . ( 3 ) . تفسير الرازي 4 : 30 ، تفسير روح البيان 1 : 216 .