الشيخ محمد النهاوندي

310

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

مع علمكم بنهاية شناعة الكفر بعد الإيمان الراسخ . ومن البديهيّ أنّ هذا الودّ والتمنّي ليس لأجل تديّنهم ومعرفتهم بحقّانيّة مذهبهم ونصحهم لكم ، بل كان حَسَداً عليكم وتشهّيا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ومن خبث ذاتهم مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ وظهر لَهُمُ الْحَقُّ من نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وحقّانيّة دينه وكتابه بدلالة المعجزات السّاطعة والآيات الباهرة ، ولما عاينوا من إخبار التّوراة بظهوره وأوصافه وعلائمه المنطبقة عليه . روي أنّ جماعة استأذنوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في أن يقتلوا هؤلاء اليهود الذين كفروا بأنفسهم ، ودعوا المسلمين إلى الكفر « 1 » ، فنزل : فَاعْفُوا من عقابهم وَاصْفَحُوا عن تثريبهم وعتابهم حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ فيهم من القتل والتّعذيب إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ في كلّ وقت قَدِيرٌ لا يعجز عن الانتقام إذا حان حينه وآن أوانه ، فلا تعجل عليهم . روي عن ابن عبّاس : أنّه منسوخ بآية السّيف « 2 » . وعن الباقر عليه السّلام : أنّه لم يؤمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بقتال حتّى نزل جبرئيل عليه السّلام بقوله : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا « 3 » وقلّده سيفا ، فكان أوّل قتال قتال أصحاب عبد اللّه بن جحش ببطن نخل ، وبعده غزوة بدر « 4 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 110 ] وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 110 ) ثمّ إنّه بعد تكليف المؤمنين بالعفو والصّفح لصلاح حالهم وسلامة أنفسهم من رحمة الكفّار ، كلّفهم في حال الفراغ بالعبادات البدنيّة التي أهمّها الصّلاة بقوله : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ المفروضة ، ثمّ بالعبادات الماليّة التي أهمّها الزّكاة بقوله : وَآتُوا الزَّكاةَ الواجبة ، لصلاح حالهم وسلامة أنفسهم من نقمة اللّه . ثمّ بسائر العبادات بقوله : وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ وعمل صالح من النّوافل والزّكاة المستحبّة وسائر أنواع البرّ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إمّا بصورته وحقيقته المثاليّة ، بناء على تجسّم

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 1 : 204 . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 1 : 146 . ( 3 ) . الحج : 22 / 39 . ( 4 ) . تفسير الرازي 3 : 245 .