الشيخ محمد النهاوندي
307
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
بل يبغضون أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ قليل أو كثير مِنْ رَبِّكُمْ من الوحي والنبوّة والآيات والنّصرة على الأعداء . أمّا أهل الكتاب فلادّعائهم أنّهم أبناء الأنبياء والناشئون في مهابط الوحي ، فهم أولى بتلك الفضائل من المسلمين الّذين هم امّيّون ، وأمّا المشركون فلغرورهم بالجاه والمال ، وظنّهم أنّ من له الرئاسة الدنيويّة أولى بالرئاسة الإلهيّة . ومن البديهي أنّ الحسد لا أثر له . وَاللَّهُ الذي بيده كلّ خير يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ وفضله وإحسانه مَنْ يَشاءُ من عباده على حسب قابليّته واستعداده وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ على نبيّه وعلى المؤمنين ، ولا يمنعه حسد الحاسدين . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 106 ] ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) ثمّ أنّه لمّا كان من عقائدهم الفاسدة امتناع وقوع النّسخ في النبوّات والأحكام الإلهيّة ، وبهذا المبنى طعنوا في دين الاسلام وقالوا : إنّ محمّدا يأمر أصحابه بأمر ثمّ ينهاهم عنه ، ويقول اليوم قولا وفي الغد يرجع عنه « 1 » ؛ ردّ اللّه عليهم بقوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ برفع حكمها أَوْ نُنْسِها برفع رسمها واستلاب ذكرها وحفظها عن القلوب « 2 » نَأْتِ بِخَيْرٍ وأصلح مِنْها أَوْ نأت بآية مِثْلِها في الصّلاح والنّفع والحكمة ؛ لظهور أنّ الوظائف الشّرعيّة والأحكام الإلهيّة بالإضافة إلى الأمراض القلبيّة والرّوحانيّة ، كالأدوية بالنّسبة إلى الأمراض الجسمانيّة . فكما أنّ نفع الأدوية يختلف باختلاف الأمزجة والأوقات ، كذلك الأعمال والوظائف الشّرعيّة ، لبداهة اختلاف مصالحها باختلاف القرون والأزمنة وتغيير الجهات . في بيان جواز النسخ إن قيل : كيف يصحّ النّسيان في الآيات ومحو رسمها بالكلّيّة مع قوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ « 3 » ؟ قلنا : صدق القضيّة الشرطيّة لا يلازم صدق طرفيها ، وهذا كقولنا إن عدمت هذه الشّمس يأت اللّه
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 3 : 226 . ( 2 ) . في النسخة : واستلاب عن القلوب ذكرها وحفظها . ( 3 ) . الحجر : 15 / 9 .