الشيخ محمد النهاوندي

29

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

هذا في حقّ العارف بلسان العرب ، وأمّا غير العارف فتتمّ عليه الحجّة بتصديق أهل اللّسان إعجازه ، كما تمّت الحجّة على بني إسرائيل الجاهلين بعلم السحرة بتصديق السحرة إعجاز العصا ، وعلى الجاهلين بعلم الطبّ بتصديق الأطبّاء إعجاز إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى . الطرفة الثالثة في أنّ الكتاب العزيز مع قطع النظر عن وجوه إعجازه دليل صدق النبي صلّى اللّه عليه وآله لا شبهة أنّ الكتاب العزيز مع غضّ النظر عن وجوه إعجازه ، يكون من أقوى دلائل صدق نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله لوجوه ، منها : [ 1 ] - أنّه صلّى اللّه عليه وآله أعلن في النّاس بصريح كتابه الكريم بأنّ موسى بن عمران عليه السّلام بشّر أمّته بظهوره صلوات اللّه عليه وبعثته ، وأخبر بعلائمه ونعوته ، وأنّ عيسى بن مريم عليه السّلام بشّر مع ذلك باسمه السامي ، حيث قال في كتابه العزيز : وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ « 1 » . فلو لم يكن نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله صادقا في دعواه ، وعلى حجّة فيما ادّعاه ، ما كانت اليهود والنصارى مع كثرة عددهم ورهبانهم ، وشدّة عداوتهم له صلّى اللّه عليه وآله ولجاجهم في ملّتهم ، ساكتين عن معارضته مع تمكّنهم من إدحاض حجّته ، وقدرتهم على إبطال دعوته ، ولبادروا إلى تكذيبه ، ولتسارعوا إلى تفضيحه وتنكيبه بأن كانت الأحبار والرهبان لحفظ رياستهم وملّتهم حرّموا على أنفسهم الرّقاد ، وتنادوا بأعلى أصواتهم في البلاد ، وأحضروا الناس في الميعاد ، وأتوا بكتبهم في محضر الحاضر والبادي ، وفتحوها على رؤوس الأشهاد ، وألزموا النبيّ صلّى اللّه عليه وآله على أن يريهم منها آية فيها اسمه أو نعته ، ويخرج منها عبارة فيها علامته وصفته فيظهر عند ذلك بعجزه ، إفحامه وبهته ، فلم يمكن أن يخضرّ له بعد ذلك عود ، ولم يقم له عمود ، فلمّا لم يظهر تظاهرهم في ردّه - ولو كان لبان - علمنا بثبوت نعوته في كتبهم ، وتيقّنّا بصدقه في إخباره . إن قيل : قد نطق الكتاب العزيز في عدّة مواضع ، بأنّ اليهود والنصارى حرّفوا الكتابين ، وغيّروا

--> ( 1 ) . الصف : 61 / 6 .