الشيخ محمد النهاوندي

130

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

فيجوزهم كلّهم ، حتّى إذا انتهى إلى المرسلين ، فيقولون : هذا القرآن ، فيجوزهم ثمّ ينتهي حتّى يقف عن يمين العرش ، فيقول الجبّار : وعزّتي وجلالي ، وارتفاع مكاني لاكرمنّ اليوم من أكرمك ، ولأهيننّ من أهانك » « 1 » . أقول : قد وردت أخبار كثيرة في تمثّل القرآن يوم القيامة بأحسن صورة « 2 » . وقال بعض المحقّقين : إنّ للقرآن وجودا كتبيّا بين الدّفّتين ، ووجودا لفظيّا للقارئ منّا ومن المعصومين عليهم السّلام ، بل يمكن أن يقال : من الملائكة كجبرئيل عليه السّلام ، ووجودا علميّا في لوح النّفس مكتسبا من المرتبتين الأوليين ، ووجودا علميّا من إلقاء الرّوح الذي من عالم الأمر إيّاه في القلب بأمر اللّه سبحانه ، كما لعلّه يرشد إليه قوله تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ « 3 » أو من انتقاش الألفاظ الغيبيّة في لوح القلب عند مواجهته لها ومقابلته إيّاها ، ولعلّه يؤمى إليه قوله تعالى : بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ « 4 » ، ووجودا عينيا كتبيّا في لوح غيبيّ هو المبدأ لهذه النّقوش الواقعة في لوح القلب ، وبه يصير القلب مصحفا لوجه أوراقه ، وتلك النّقوش كتابته ، ولعلّ إليه الإشارة بقوله تعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ « 5 » ووجودا لفظيّا عينيّا هو كلام اللّه سبحانه الذي أوجده وأسمعه من شاء من عباده من الملك والنبيّ ، ولعلّ إليه الإشارة بقوله تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ « 6 » ووجودا إجماليّا قبل التفصيل ، ولعلّ إليه الإشارة بقوله تعالى : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ « 7 » . وهو الأصل ، والباقي تنزّلاته ومراتبه وشؤونه ، كأصل الشجرة بالنّسبة إلى ساقها وأغصانها ، ولعلّ إلى هذه المقامات الإشارة بإطلاق الإنزال والتّنزيل على القرآن في مواضع كثيرة . ثمّ إنّ لنا صعودا أيضا ، فإنّ القرآن اللفظيّ الصادر منّا ، يتمثّل بمثال ويتشكّل بصورة جوهري في عالم أرفع من هذا العالم على ما تحقّق وثبت في محلّه بالآيات والأخبار الكثيرة الواردة في الموارد الكثيرة ، المعتضدة بالاستبصارات العقليّة وغيرها من أنّ الأعمال الحسنة والسيّئة تتجسّم وتتمثّل وتبقى في عالم البرزخ مع الميّت ، وقراءة القرآن منها بل من أولى أفرادها بهذا الحكم ، وكتابة القرآن أيضا عمل يتجسّم كذلك ، فيتحقّق في القرآن قوسان : قوس نزول ينتهي إلى وجوده اللّفظيّ والكتبيّ

--> ( 1 ) . الكافي 2 : 440 / 14 . ( 2 ) . راجع الكافي 2 : 439 / 11 . ( 3 ) . الشعراء : 26 / 193 و 194 . ( 4 ) . العنكبوت : 29 / 49 . ( 5 ) . الواقعة : 56 / 77 - 79 . ( 6 ) . الزمر : 39 / 23 . ( 7 ) . هود : 11 / 1 .