محمد أبو زهرة

5111

زهرة التفاسير

بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 90 ) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 91 ) . هذا إضراب انتقالى ، انتقل اللّه بهم من المجاوبة التي تكون بينهم وبين النبي صلّى اللّه عليه وسلم إذ يوجه أنظارهم إلى ما ينبئ عن الحق وهو الوحدانية ، يأخذها من نتائج ما يقولون ، وإذا كان الأمر كما يقول المناطقة : النتائج متضمنة في مقدماتها ، وما البرهان إلا كشف ما تطويه المقدمات من نتائج ، فعلمهم بأن الكون كله مخلوق للّه تعالى متضمن وحدانيته تعالى في العبادة . الإضراب الانتقالى هو الانتقال من المجاوبة إلى تقرير الحق مبينا بطلان ما يدعون بطريق إثبات بطلانه في ذاته ، وبيان صحة نقيضه ، قال تعالى : بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ ، أي بالأمر الثابت الذي لا يتطرق إليه الريب ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ جعل وصفهم بالكذب المستمر مقابلا للحق الذي جاءهم اللّه تعالى به ؛ لأن الكذب إذا مردت عليه النفس فسدت ، وصارت لا تفرق بين باطل وحق ، إذ تكون نفسه غير مؤمنة ، لأن الإيمان تصديق وإذعان ، فلا بد من الصدق لكي يكون الإيمان ، ولقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إياكم والكذب فإن الكذب يهدى إلى الفجور ، والفجور يهدى إلى النار ، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند اللّه كذابا » « 1 » . ولقد ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن الإيمان والكذب نقيضان لا يجتمعان ، فقد سئل أيكون المؤمن بخيلا ؟ قال : يكون ، أو يكون المؤمن جبانا ؟ ، قال : نعم يكون ، وسئل : أيكون المؤمن كذابا ؟ قال : لا يكون المؤمن كذابا » « 2 » . ولذا كان حقا أن يقابل الحق الذي يجئ به اللّه تعالى ويتأكد كذبهم ، وقد أكد اللّه تعالى ب « أن » المؤكدة ، وباللام ، وبالوصف ، بأنهم من شأنهم الكذب ، وبالجملة الاسمية .

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) عن صفوان بن سليم أنّه قال قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أيكون المؤمن جبانا ؟ فقال : " نعم " ، فقيل له : أيكون المؤمن بخيلا ؟ فقال : " نعم " ، فقيل له : أيكون المؤمن كذّابا ؟ فقال : " لا " . رواه مالك في الموطأ - الجامع ( 1571 ) .