محمد أبو زهرة

5100

زهرة التفاسير

ومن شأنه أنه إذا نالته شدة أحس بسلطان اللّه تعالى ، وأنه كاشف الضر ، فإذا زال عنه الضر عاد إلى كفره ، وهذا المعنى بصوره قوله تعالى : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ ( 12 ) [ يونس ] . لقد تضرع المشركون لبلاء نزل بهم فرقّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال اللّه تعالى مبينا سنته فيهم وفي أمثالهم : وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 75 ) . أي لو غمرناهم برحمتنا في وقت شدتهم ، فأزلنا عنهم الغم ، وكشفنا الضر من مرض أو بلاء لاستمروا لاجين في ظلمهم الطاغي يعمهون ، الكشف كناية عن ذهاب الضر ؛ لأن الضرر يكون كالغمة ، وكشفها إزالة كربها ، وما المراد من الرحمة وكشف الضرر أهو زواله بعد النزول ، أم أنه يستمر في الرحمة بأن يتمتع بنعمة الصحة والعافية وعدم وجود الضرر ؟ إن الآية تحتملهما ، وإن الرحمة هي التمتع بمتع الحياة ، وعدم نزول الضرر ، بل هو مكشوف عنها كل ضرر يحتمل أن يوجد ، ويكون المعنى أن النعمة تغرهم فيكفرونها ، وعدم نزول ضرر بهم كذلك ، فيستمرون في حالهم لاجّين فيها و فِي طُغْيانِهِمْ أي في ظلمهم الطاغي يَعْمَهُونَ ، أي يترددون ويتحيرون ، فإن الطاغي متردد متحير دائما ، إذ إن للفطرة العادلة صوتا وإن لم يكن مجلجلا ، والظلم لجلج دائما ، وإذا رأيت الظالم يعنف دائما ، فاعلم أن ذلك لإسكات الصوت الخفي الذي ينبعث خافتا ليسكته . وعلى الاحتمال الآخر ، وهو أن هذا يكون بعد نزول ضرر وكشفه ، فإنه واضح ، ولكن نحن نرجح الأول لقوله تعالى : لَلَجُّوا - إلى آخره ؛ لأن اللجاجة استمرار الحال قائمة ، والشدة فيها ، ويكون المعنى أن استمرار النعمة عليهم تطغيهم بالظلم ، وتغريهم بالشر . وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ ( 76 ) .