محمد أبو زهرة
5093
زهرة التفاسير
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ ( 67 ) . مُسْتَكْبِرِينَ حال من « الواو » في تَنْكِصُونَ ، وهي تفرقة واضحة بين حالين ، إحداهما تململهم عند سماع الحق حتى إنهم ينكصون على أعقابهم عند سماعهم ، وحالهم وهم يجأرون ضارعين صاغرين عندما يؤخذون ببعض العذاب الذي يستحقون . وقوله تعالى : مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ الضمير في بِهِ يعود إلى القرآن الذي تتلى آياته ، مستكبرين استكبارا مصاحبا لسماعه ، أي متعالين على القرآن نفسه ، أو متعالين بسببه لأنهم لم يذعنوا لحقائقه ، ويصح أن يكون متعلقا ب سامِراً أي جاعلين القرآن موضع سمرهم حول الكعبة ، تَهْجُرُونَ « 1 » ، أي يقولون الهجر من القول الفاحش ، أي أنهم مع نكوصهم على أعقابهم عند سماع تلاوته يجعلون الطعن فيه وسب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم موضع سمرهم وقولهم الهجر من القول الفاحش ، وقرئ يهجرون ، وبضم الياء وماضيها « أهجر » أي دخل في هجر القول . وخلاصة المعنى على هذا أنهم ينكصون معرضين عند سماع التلاوة مستكبرين سامرا به بهجر القول ، أي لا سمر لهم إلا السخرية به وبمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ناطقين بالهجر الفاحش من القول ، ومع ذلك يجأرون ضارعين عندما يأخذهم عذاب يفجأهم أو كارثة تكرثهم ، وكان حقا عليهم أن يتدبروا القرآن بدل أن يعرضوا عنه ويتخذوه موضوعا لسمرهم وهجرهم . أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ( 68 ) . الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، وهي مؤخرة عن تقديم ؛ لأن الاستفهام له الصدارة ، ومؤدى القول أنهم قد نكصوا على أعقابهم ثم جأروا عندما اشتدت بهم الشديدة ، أفما كان أولى من هذا أن يتدبروا القول بأن يتدبروا ما تلى عليهم ويتعرفوا معانيه ، أم أنه جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ، ف أَمْ على هذا هي التي تكون للمعادلة بين أمرين ، والاستفهام هنا لاستنكار المعادلة ، والمعنى ألم
--> ( 1 ) قراءة ( تهجرون ) بضم التاء وكسر الجيم : نافع ، وقرأ الباقون بفتح التاء وضم الجيم . غاية الاختصار : 2 / 584 .