محمد أبو زهرة
5089
زهرة التفاسير
والصفات التي اتصف بها المؤمنون ، والأعمال التي يقومون بها في الطاقة ، والعمل عن سعة ويسر وسهولة إلا على الذين لا يؤمنون باللّه واليوم الآخر . وإن كل عمل خيرا أو شرا في إحصاء دقيق لا يتخلف عنه شئ ، ولذا قال تعالى : وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ قالوا : إنه كتاب الأعمال الذي يحصى فيه كل عمل خيرا كان أو شرا ، ويصح أن نقول : إن ذلك تصوير لعلم اللّه بما يفعله كل إنسان ، ويوم القيامة يجده محضرا يخبر به ويحاسب عليه ، لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، وصور اللّه سبحانه وتعالى إحصاء أعماله كله كأنها تنطق به متلبسة بالحق مخالطة له غير بعيدة ، وأكد سبحانه أنهم لا يظلمون ، فقال : وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ، فلا ينقص من خير فعلوه ، ولا يزاد على سيئاتهم سيئات ، بل إن اللّه يعفو عن السيئات إذا كثرت الحسنات : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ . . . ( 114 ) [ هود ] . هذه صفات المؤمنين وعقباها جاء بها سبحانه وسط وصف الكافرين ، واستكبارهم ليكون المؤمنون مجال اعتبار ، وليمكن لهم ، ثم أخذ سبحانه يتمم بيان ضلال الكافرين ، فقال تعالى : بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ ( 63 ) . الإضراب هنا فيه بيان أنهم لا ينتفعون بالعظات والعبر ، ولا يستبصرون بهداية المهتدين ، ولا يتعرفون مآل الحق وأهله ، ولا مآل الباطل وأهله فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا الغمرة أصلها ما يغمر الإنسان من الماء ، وقد فسر بعضهم الغمرة بالغفلة التي غمرتهم ، وهو تفسير حسن ، وقد غفلوا أولا عن الكتاب الذي يكتب الحسنات والسيئات ، أو علم اللّه تعالى الذي لا يغادر صغيرة أو كبيرة إلا أحصاها ، وغفلوا عن رقابة اللّه تعالى لأعمالهم وغفلوا عن أعمال المؤمنين واستقامة قلوبهم ، وهم أناس مثلهم ، قد سبقوهم في الفضل وشرف الإيمان ، والمسارعة في الخيرات والسبق فيها ، وأنهم قد سارعوا في الكفر ، كما سارع المؤمنون في الخيرات ، وسبقوا إليها ،