محمد أبو زهرة

5086

زهرة التفاسير

وثالثها - تقديم الخشية على متعلقها . ورابعها - التعبير بربهم ، أي القائم على أمورهم وكالئهم ، وحاميهم . هذا هو الوصف الأول من أوصاف أهل الإيمان الذين يستحقون الثواب ، ولهم الغرفات الآمنة عند ربهم . وذكر أولا - لأنه يتضمن إذعان القلب ، وامتلاء النفس بهيبته سبحانه ، فيكون قريبا منه ، يفطن لآياته ، ولذا قال سبحانه في الوصف الثاني : وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 58 ) . إنهم لخشيتهم من ربهم ، وإشفاقهم ، ومحبتهم لربهم تصفو نفوسهم ، وتذهب الكدرة من أفهامهم ، فإذا رأوا الآيات توجهوا إليها بقلب سليم مشرق ، قذف به نور الإخلاص ، والواو عاطفة تعطف صفة على صفة ؛ ولذا قال تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ يصدقون موجب هذه الآيات ، وما تدعو إليه ؛ ذلك أن الإخلاص إذا دخل القلب ملأه بنور الحكمة ، فأدرك به ، ولم تقف حوائل دون الإدراك فيكون الإدراك سليما ، ولا ينطق اللسان إلا بالحق ، ولقد تأكد الحكم بما تأكد به الوصف الأول ، والتعبير بالمضارع يفيد تجدد الإيمان بتجدد الآيات ، فكلما كانت آية من آيات اللّه وهي كثيرة زادت المؤمن إيمانا ، فإيمانهم متجدد في نماء ، ويزيد بزيادة الآيات ، وقال سبحانه في الوصف الثالث : وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ( 59 ) . الشرك يجئ دائما من أوهام تسيطر على النفس الإنسانية ، فتجعلها تعتقد قوة في حجر ، أو في شخص ، وقد تكون مسوغات موهمة ، وقد يكون الوهم نفسيا من ذات النفس ، ونفس المؤمن سليمة صافية فيها نور الحق ، قد استضاءت به ، وعمرت بذكر اللّه تعالى وامتلأت به فلا تضل أبدا ، ولذا قال تعالى : في الوصف الثالث من أوصاف المؤمنين وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ إنهم يعترفون أن العبادة لا تكون إلا للقادر على كل شئ الذي لا مثيل له الواحد في ذاته وصفاته وخلقه ، فهم كما عرفوا آياته وأذعنوا ، فهم أيضا يذعنون لمعاني الوحدانية ، فلا يشركون به شيئا ، وفي الجملة السامية التوكيدات في الآيات السابقة وإن من أجل صفات المؤمنين كما أشرنا من قبل أنهم يستصغرون حسناتهم ، ويستكثرون أخطاءهم ، ولذا قال فيهم رب العالمين .