محمد أبو زهرة
5071
زهرة التفاسير
للكافرين : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ( 1 ) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ( 2 ) [ التكاثر ] ؛ ولأن الترف من غير إيمان يجعل النفس مائعة غير جادة إلا فيما يعنى جمع المال ؛ ولأن كثرة المادة تمنع إدراك معاني الإيمان لأن المادة تستغرق الإدراك ، وأساس الإيمان هو الإيمان بالغيب ، وبما وراء الحس ، ولا يكون ذلك إلا بقلب مملوء بالرحمة والمعاني الإنسانية السامية . ومع هذه الأوصاف نجد سبب إنكارهم أنه بشر مثلهم ، فيقولون في تكذيبهم : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ فهم أولا يحكمون بالمثلية لهم ، وفي ذلك إشعار بأنهم ينفسون عليه مكانته من النبوة دونهم ، وأن ذلك يومئ بحقدهم عليه ، وحسدهم له على ما آتاه اللّه تعالى من فضله ، ووضحوا هذه المثلية بقوله تعالى عنهم : يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ فأقيستهم مادية صرفة ، ولا يؤمنون بمعنى من المعاني العالية ، ولقد قرروا خسرانهم إن أطاعوا بشرا مثلهم ، فقال تعالى حاكيا عنهم : وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ( 34 ) . أكدوا من فرط حسدهم خسرانهم إن أطاعوا بشرا مثلهم ، وأكدوه بلام القسم ، وبالقسم ، وبالتأكيد في الجواب ب « إنّ » وبلام التوكيد الواقعة في جواب ( إن ) ، وإنهم في زعمهم يخسرون مكانتهم في قومهم وشرفهم المزعوم في قبيلهم ، وسلطانهم في أقوامهم ، ويصيرون تابعين لمثلهم ، وهم المتبوعون في أقوامهم ، وذلك كله غرور الترف ، وفساد المقاييس ، وسيطرة المادة . ويذكرون بعد ذلك أشد ما يدعوهم استنكارا ، وهو وعدهم بالبعث ، فيقول تعالى عنهم : أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ( 35 ) . كانت المادة الأولى لإنكارهم التي سوغت كفرهم أنه بشر مثلهم ، ثم كانت المادة الثانية أنه يعدهم بأنهم سيبعثون ، قالوا مستنكرين ومستبعدين : أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ الاستفهام للإنكار ، أي استنكار هذا الوعد ، لإنكار الواقع ، فهو في معنى التوبيخ للنبيين على هذا الوعد الذي وعدوه ، والذي هو جزء من رسالتهم ، ويذكرون سبب الإنكار في أمرين :