محمد أبو زهرة
5066
زهرة التفاسير
أوحى اللّه تعالى إلى نوح أن يصنع الفلك لينجو فيه من أراد اللّه تعالى نجاته وهم الذين آمنوا وأهل نوح الذين لم يكفروا ، أن تفسيرية ، لمعنى الإيحاء الذي أوحى به إلى نوح عليه السلام ، فقوله : اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا ، أي اصنع الفلك برعايتنا ورقابتنا ، كمن يكون تحت العين والبصر ، ولا يعد ذلك تأويلا ، بل إنه ظاهر اللفظ ، من غير تأويل ، فلا حاجة إلى ما قيل إن هذا تأويل كقول الخلف ، ولا إلى القول بأن للّه عينا ليست كأعيننا ، كما يدّعى أنه قول السلف ( راجع في هذا رسالة الغزالي : إلجام العوام عن علم الكلام ) . أي أن صناعة الفلك كانت برقابة اللّه - تعالى - ورعايته ووحيه في البناء والتصرفات ، وَفارَ التَّنُّورُ الفرن الذي يخبز فيه الخبز ، والتعبير عن سبب سير السفينة الذي يقترن بسيرها بقوله تعالى : وَفارَ التَّنُّورُ فيه ما يشير إلى أنها كانت تسير ببخار الماء ، وقد أشرنا إلى هذا المعنى في سورة هود . فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ ، أي أدخل فيها من كل صنفين زوجين ذكر وأنثى ، واسلك بمعنى أدخل هي في اللغة ، ومن ذلك قوله تعالى : ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ( 42 ) [ المدثر ] ، أي ما أدخلكم فيها ، وقال تعالى : وَأَهْلَكَ ، أي أدخل أهلك إلا من سبق عليه القول بهلاكهم لأنهم كافرون ، وقد خاطبه نوح في شأن ابنه كما جاء في سورة هود إذ قال نوح - عليه السلام - إشفاقا على ابنه : إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي . . . ( 45 ) [ هود ] ، فقال اللّه تعالى له : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ . . . ( 46 ) [ هود ] . وقوله : مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وهو الحكم عليهم بالهلاك ، ولذا تعدى بعلى وقد التفت اللّه تعالى حكمه ، من بعد ذلك إلى نوح ومن معه مذكرا لهم بعد أن أغرق الكافرين ، فقال مخاطبا نوحا : فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 28 ) . استويت ، أي تمكنت واقتعدت أنت ومن معك مقاعدكم ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، وإن ذلك يدل على أن قوم نوح قد ساوروه بالأذى وإرادة