محمد أبو زهرة

5064

زهرة التفاسير

كانت إجابتهم إجابة من فوجئ بأمر لم يألفه ولم يعرفه ، وكذلك كانت إجابة أهل مكة للنبي صلى اللّه عليه وسلم قالوا أولا - ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ، كذلك قال أهل مكة ، قالوا : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان ] ، وقالوا ثانيا - يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ أي يطلب الفضل عليكم بالرئاسة والسلطان ، كذلك قال أبو جهل أحد زعماء الشرك وأطغاهم ؛ فقد قال في سبب كفره : تنازعنا وبنى عبد مناف الشرف ، اطعموا فأطعمنا ، وسقوا فسقينا ، حتى إذا تحاذينا على الركب قالوا منا نبي ، فأنى يكون لنا ذلك ، واللّه لا نؤمن به أبدا . وقالوا ثالثا - وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ، أي لو شاء اللّه أن ينزل رسالة من عنده لأنزل بها ملكا يخاطبنا ، كذلك طلب المشركون أن ينزل عليهم بالرسالة ملك ، وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) [ الأنعام ] . وقالوا رابعا في رد دعوة نوح للتوحيد : ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ، أي إنهم لا يتبعون إلا ما كان عليه آباؤهم ، كما قال تعالى عن مشركي مكة ، بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 170 ) [ البقرة ] ، وهكذا نجد رد قوم نوح عليه السلام يشبهه تماما رد المشركين على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقد كانت نتيجته أن أهلك اللّه تعالى الكافرين من قوم نوح ، وكان عليهم أن يتوقعوا مثل ما نزل بقوم نوح ، لولا رحمة اللّه ، عسى أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه ، بل أن يكون منهم من ينصر الحق ، ويجاهد مع المجاهدين . ولقد استمرت دعوة نوح عليه السلام إلى الحق ، واستمر عنادهم ، ووصفوه بأنه مجنون ، وأنهم ينتظرونه حتى يفيق . إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ ( 25 ) . جِنَّةٌ بكسر الجيم ، أي ما هو إلا رجل به جنون فَتَرَبَّصُوا بِهِ الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي إذا كان به جنون فتربصوا به حتى حين ، أي إلى حين