محمد أبو زهرة

5061

زهرة التفاسير

وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 21 ) . الأنعام : جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم ، وما يشبهها فيما يؤدى مؤداها ما يزلل للإنسان ، ويكون تحت سلطانه ، ويطوّع لإرادته ، وأول ما حكم به سبحانه أن فيها عبرة أي اعتبارا بدلالتها على خلق الخالق وقدرته وإبقائه على الإنسان ، فهي حيوان مسخر للإنسان ، ومع أن له إرادة ، وإن لم تكن عاقلة ، وكونا مستقلا ، سخره اللّه تعالى للإنسان مطوعة له مستأنسة له ، وذكر من هذه العبر ما في درها من لبن يسقينا إياه رب العالمين ، ولكم فيها منافع ، فيتخذ من أصوافها ، وأوبارها وأشعارها أثاثا ، ويتخذ من جلودها بيوتا وأخبية ، وَمِنْها تَأْكُلُونَ أي نأكل لحمها فهو حلال طيب ، فحياتها كلها خير تدر لبنا ، ويؤخذ منها أثاث ، وبيوت ومساكن ، ولحمها يؤكل ، وكل هذه نعم يجب علينا شكرها ، ولا يصح أن نكفر بها ، ونشرك باللّه تعالى المنعم ؛ إذ شكر المنعم واجب بحكم العقل والإيمان . ويقول سبحانه وتعالى : وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ( 22 ) . الضمير في عَلَيْها يعود على الأنعام ، وليس معناه أن كلها يحمل الإنسان بل إن بعضها ، وهو الإبل ، والخيل والبغال والحمير إن أدخلناها في عموم النعم ، ومن المؤكد أن بعضها وهو الإبل يتخذ للحمل حتى سموا الإبل سفينة الصحراء ، وقد قال ذو الرمة في الإبل : سفينة بر تحت خدى زمامها . ولذا ذكرت وراء الإبل من الأنعام الفلك ، فإن الفلك تجرى بقدرة اللّه تعالى حاملة الأمتعة والمنافع من الشرق إلى الغرب ، رابطة الأقاليم في الأرض بعضها إلى بعض ، فهي التي تنقل خيرات الأرض بعضها لبعض .