محمد أبو زهرة
5059
زهرة التفاسير
فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 19 ) [ الأنعام ] . الفاء عاطفة ، وانشأنا ، خلقنا بإنشاء جديد لا بمجرد التوليد لشئ من شئ ، فإن إخراج الحي من الجامد ليس توليدا مجردا ، إنما هو إنشاء لمخلوق جديد ، واقرأ قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 95 ) [ الأنعام ] ثم يقول سبحانه : وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 99 ) [ الأنعام ] . وقوله تعالى : مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ، من هنا بيانية ، فهي بيان لنوع الجنات ، وَأَعْنابٍ ، جمع عنب ، وجمعه لأنه أنواع مختلفة فالأعناب بكل أنواعها ، خلقها اللّه تعالى وأنشأها إنشاء ، ولم تذكر الحبوب ؛ لأنها كانت قليلة في مكة وما حولها ، وإنما كان النخيل والأعناب فيها ، وفي الطائف القريبة منها . وهذان النوعان النخيل والأعناب ، فاكهة يانعة يتفكهون بها ، وغذاء طيب يستغنون به عن كل الأطعمة ، فإذا كان عند الرجل نخلة وناقة ، فعنده الغذاء الموفور من التمر واللبن ، ولذا قال تعالى : لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ، أي إنها فاكهة وغذاء ، فالعنب يؤكل رطبا وزبيبا ، والبلح يؤكل رطبا وبسرا ، وهو أنواع مختلفة . وذكر سبحانه وتعالى نوعا ثالثا من الأشجار ، وهو الزيتون ، فقال تعالى : وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ ( 20 ) . الواو عاطفة ، شَجَرَةً معطوفة على جَنَّاتٍ ، أي أنشأنا شجرة ، وقال المفسرون جميعا ، إنها شجرة الزيتون وهي شجرة مباركة ، وتنكيرها لبيان فضل خيراتها ، و مِنْ للابتداء أو بمعنى ( في ) ، والمعنى شجرة تخرج مباركة في طور