محمد أبو زهرة
5057
زهرة التفاسير
بعد أن بين اللّه تعالى خلق الإنسان ، وما فيه من عجائب تدل على قدرة اللّه تعالى - جل وعزّ - أخذ يبين سبحانه وتعالى خلق ما هو أكبر من الإنسان ، وما فيه حياة الإنسان ومعاشه ، وما هو مسخر له في السماوات والأرض فقال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ ( 17 ) . الطرائق جمع طريقة ، وهي هنا بمعنى مطروقة من طرق النقل من حيث إنها مسالك ، ومن طرق الخوافي في الطير ، بمعنى أن كل طبقة منها فوق الطبقة الأخرى ، وطرائق السماء أفلاكها ، إذ كل فلك فوق الفلك الآخر وكل مربوطة بأرسان « 1 » من الجاذبية والنواميس الكونية ، بحيث تكون متماسكة ، كل نجم وكوكب فيها مشدود بالآخر ، كأن حبلا أو سلكا يمسكه ، وفسر بعض علماء الفلك هذا النص السامي بأن سبع طرائق سبعة أفلاك لكل سماء طريق يجرى بما فيها من الأقمار والنجوم . وقوله تعالى : وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ أي أن هذه الطرائق بما فيها من كواكب ونجوم مسخرات بأمره سبحانه يجرى كل تحت رعاية اللّه تعالى وعينه ، وهو القائم على كل شئ يسيره بأمره سبحانه إنه عليم خبير أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 ) [ الملك ] . ونفى سبحانه وتعالى الغفلة عن ذاته العلية ، وهي منفية بحكم علمه الكامل ولكن كان نفى الغفلة كناية عن كمال عنايته بخلقه ، وأنه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ، وأن كل الوجود تحت رعايته وعنايته ، وأنه يسير بأمره ، وعلى مقتضى إرادته النافذة ، وحكمته العالية . وصيغة النفي تدل على أن الغفلة ليست من شأنه تعالى ؛ لأنه نفى الكينونة بقوله تعالى : وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ ، أي ليس من شأننا أن نغفل عن خلقنا ، بل نحن قائمون عليه مراقبون له محافظون عليه .
--> ( 1 ) أرسان جمع رسن ، وهو الحبل .