محمد أبو زهرة

4538

زهرة التفاسير

والماء ، بل بين الدنيا وهذه الحالة من الماء والنبات ، ثم سرعة الفناء والتكسر والتفتت العاجل القريب . وقد صور اللّه تعالى حال الدنيا بمثل ذلك في آيات أخر ، من ذلك قوله تعالى : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ . . . ( 24 ) [ يونس ] ، وقوله تعالى : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً . . . ( 20 ) [ الحديد ] . هذه حال الدنيا متاع قليل ، وفناء سريع ، والآخرة خير وأبقى ، وقد ذكر سبحانه أبرز ما في الحياة من زينة ومتاع فقال عزّ من قائل : الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا ( 46 ) . بعد أن بين سبحانه وتعالى مثل الحياة الدنيا من حيث إنها متعة غير باقية ، وما فيها من خير هو الفناء لا بقاء فيه - ذكر سبحانه ما فيها من زينة وتفاخر ، ومادة للتطاول فقال : الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا ، الزينة ما يتزين به ، وهي مصدر وصف به ، والمصدر إذا وصف لا يثنى ولا يجمع ، ولذا وصف به المال والبنون ، وكان المال والبنون الزينة ؛ لأنه كان بهما القوة ، فكان المال قوة لما يمكن صاحبه من الحصول على حاجاته ، ولما يمكنه من الحصول على مآربه من أعدائه وأوليائه ، والبنون لأنهم القوة في النصرة ؛ ولذا كانت مفاخرة أحد الرجلين على صاحبه قوله : أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً والنفر أكثر ما يكون بالولد ، واللّه تعالى يقول فيمن طغى بماله وولده ، ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ( 11 ) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً ( 12 ) وَبَنِينَ شُهُوداً ( 13 ) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ( 14 ) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ( 15 ) كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً ( 16 ) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ( 17 ) [ المدثر ] . وقد سمى اللّه تعالى القوة بالمال والبنين زينة ؛ لأنها موضع تفاخر وتباه كالزينة ، وقدم المال على البنين ؛ لأن البنين من غير مال لا يكونون زينة ، بل